شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

كتب الإعلامي الدكتور باسم عساف :

كثرت الأقاويل والأحاديث عن التغيير ، خاصة مابعد يوم إنتفاضة ١٧/ تشرين/ ٢٠١٩ وما نتج عنها من تعبير جماهيري عارم فاق كل التوقعات ، من حيث تنفيس الإحتقان الكامن في صدور المواطنين ، الذين يعانون الأمَرَّين من سلطة الفاسدين وتسلطهم على الرقاب ، وإستعبادها بكل مقومات الحياة وخاصة المالية والإقتصادية ، التي تأثَّرت بفظاعة وفجاعة النهب والسرقات على عين ومرآى العالم كله ، متخذين من المثل القائل : إن لم تستحْ فإصنع ما شئت …

*هكذا ساروا على هذا الدرب منذ عشرات السنين وهم في سدَّة المسؤولية ، وعلى الكراسي والمناصب لا يُعيرون أي إهتمام لأي نقدٍ أو معارضة أو تهجّم ، طالما أن المنظومة السياسية متوافقة على الكوتا والمحاصصات ، التي تصل بهم الى أبواب الدور والقصور دونما عناءٍ ، ولا تستوجب منهم سوى الكذب والرياء ، والوعود العرقوبية الرعناء ، وهي التي كانوا ومازالوا يستخدمونها كل أربع سنوات ، وخاصة عندما تتقرر مواعيد الإنتخابات …*

تلك التي يعتبرونها موسماً لتبرئة الذمَّة وتجديد التزوير وأخذ دور الحمل الوديع ، حيث تريد الذئآب أكل لحمه الطري ، لذا يبدأوون قبل عدة شهور من إستحقاقها إستجداء الأصوات والهمَم ، بإغداق الوعود الكاذبة مستغلين طبائع الناس المتسامحة والمتهاونة بأصواتها التي لو توحدت حتى تُحدِث الزلزال السياسي بالتغيير الحقيقي ، وليس لها سوى هذا اليوم لتحاسب أكبر رأس مفترس فاسد لِتُمَرمِغ به الأرض وتجعل منه عبرة للتاريخ…

*ولكنهم يضعفون أمام الدولار والكرتونة والروشته والفاتورة والضريبة ، التي تضرب أوتار أحاسيسهم المعكوسة على الفقر والعوز والحاجة ، ودون التطلع الى الإستغلال والإستبداد الذي يمارسه هؤلاء المتربصون بهم من خلال السلطة والمال ، التي يمتلكون زمامها أباً عن جد ، الى الولد والحفيد ، حتى أشركوا معهم الأصهار والتجار الفجار، وكل مستشار عُتوٍ جبَّار ، وتحت قاعدة النفاق التي إعتمدوها بإتفاق ، : (قطع الأعناق ، ولا قطع الأرزاق)…*

تدور الدائرة اليوم لتعود الكُرَة الى ميدانها ، ولتعود حليمة الى عادتها القديمة ، ولكنها اليوم تركَبُ موجة التغيير ، وتطرح معها مفردات جديدة تتلقفها الفئآت الشعبية مجدداً بأسلوب الحميّة والحماسة ، التي لا تتجاوز سوق النخاسة ، بإستغلال الفقر والتعاسة ، ومع شعبٍ لا يستخدم الفراسة ، ويستديم في ضرب النحاسة ، وقد إختبروه بالأرجلِ الدوّاسة ، حين ضاعت بينهم الطاسة ، ولم يلبِس أحدُهم لباسه ، ولم يتطهر المتنمق من النجاسة ، وقد ضرب الغرور رأسه ، ليعتبر نفسه أفضل الساسة ، ويا ليته حبس أنفاسه ، وتعلم مبدأ السياسة ، التي تهدف لخدمة أهله وناسه ، وليس تكديس المال والماسة ، وليكن أمرهم مقرون بالكياسة ، بعيداً عن الأفكار الهلواسة ، بأن الوصول للغاية تكون فقط بالنيابة والرئآسة …

*ومن يتطلع الى الساحة اللبنانية وكيفية إدارتها المزاجية ، ومحورها في التداولات السياسية ، الذي يتماشى مع الصراعات الدولية والإقليمية ، ليجد أن الأمر يصب في خانة التوزيعات والمصالح الإستراتيجية الجغرافية ، التي جاءت وفق المخططات الشيطانية ، المفروضة على المنطقة العربية ، بالتقسيمات الكانتونية ، المعكوسة على الطائفية والمذهبية ، وضمن سيناريو الأدوار بالمسرحية ، وبين محاور الإتفاقات النووية ، والعقوبات على الحواشي الإيرانية ، ورأس حربة الحرب الأوكرانية ، تقابلها العقوبات الأميركية ، وما قد يلحقها من تهديدات صينية ، للدخول الى الأراضي التايوانية ، لتشد إليها كوريا الشمالية ، وتسعير القتال بحرب كونية ، لم تكن تلك إلا توزيعاتٍ لأدوارٍ تحاصصية ، لن يسلًم العالم منها ومن النزوات المزاجية ، لتنعكس على الشؤون الحياتية ، التي تقضي على الميزة البشرية …*

أين من كل ذلك الإستحقاقات النيابية في لبنان ، وهي المعروف عنها بأنها تُدار من مطابخَ عالمية ، وتخضع لقرارات دولية ، وقد تذكرنا بإنفصال اللبنانيين عقب إغتيال الرئيس رفيق الحريري ، كيف توزعت الساحة اللبنانية الى فسطاتين : /١٤ و/٨ آذار ، وباتت الإتهامات تدور حول اللبنانيين ، إن لم تكن مع/ ١٤ فأنت مع/ ٨ وإنتشرت مقولة إنتخابية حينها ، إن لم تكن مع المقاومة فأنت ضدها ، وبالمقابل : أنت مع الجناح السوري ، إذن أنت مع الممانعة والخيانة للوطن ، وما إلى ما هنالك من أقاويل ، مترافقة مع المسرحية…

*وها هي اليوم تعود هذه المقولات لتأخذ الطابع الدولي والإقليمي ، أي : أنت مع الأمريكان والسفارات فأنت عميل ، وبالمقابل : إذا أنت مع إيران ، فأنت مع الإرهاب والتسلط وتقويض الدولة لصالح الدويلة ، وهكذا دواليك لتدور الدائرة على الأجواء الإنتخابية ، وتتشكل اللوائح المعلبة وفق القانون المبتور بالصوت التفضيلي والحاصل الإنتخابي ، الذي يبعد المخلصين للوطن ، والصالحين لقيادة المواطنين …*

فتكون معها النتائج معروفةٌ سلفاً وتخضع للدرهم والدينار والدولار ، ولتصب السفارات حممها على اللاهثين ، فتُكوي قلوبهم بنارها ، وتحرق الأخضر واليابس بقرارها ، مع كثرة الطامعين والطامحين ، وجميعهم يركب موجة التغيير ، ومسيرة باص الإنتفاضة والثورة ، ويملأوون شاشات صندوق الفرجة ،لتجد العودة الميسَّرة والمظفَّرة للعملاء الفاسدين ، من أركان أو بدائل منظومة السياسيين …

*وقد جاؤوا بشهادات براءة الذمة مجدداً ، تحت غطاء ديموقراطي ، ومبررات الإستحقاق النيابي ، الذي هو مطلب كل لبناني ، وكان من أولوية مطالب الثورة القوي ، لتعود الكرة من جديد ، لجولة أربع سنين عِجاف ، قد تكوي بنارها دون خلاف ، أي إستقامة وعفاف ، من لظى السرقة والنهب والإسفاف…*

هذا الأمر الجليّ ، أمام المتتبعين الواعين لما يدور في أروقة الكواليس الخفيًّة ، وما يطبُخه الطبّاخون من أطعمة شهيَّة ، وما يلعبه اللاعبون ضمن اللعبة الدوليّة ، جعلهم يستنكفون عن الخوض بهذه اللعبة المدنسة بأوزارهم وأوساخهم المجوية…

*وهذا ما جعلنا نبتعد عن هذا الملعب المسحور ، بوعود عرقوبية وبألوان زاهية تسر الناظرين ، وقد أيقنَّا أن الأفخاخ توضع لفاقدي البصر ، ولا تمر على مالكي البصيرة ، ومن هنا كان لنا القرار ، رغم العروض بالإغراء ، وتهيئة الأجواء بالإشاعات ، ووضع الصور والكلمات ، على التواصل الإجتماعي والشاشات زوراً ، ومن هنا إتخذ القرار بالإستنكاف عن الترشح ، والإبتعاد عن هذه اللعبة المدروسة والمدنَّسة ، بحساباتٍ مركزةٍ ومهندَسَة ، مع التأكيد أن رأينا بالتغيير لا بُدَّ آت ، ولكن ليس بالضرورة عبر الإنتخابات …

شاركها.