
الدكتور عارف العبد
المثل الشائع يقول، “كل السياسات محلية”. ففي غالبية دول العالم ذات الطابع الديمقراطي تسيطر السياسات الصغيرة والغايات والاهداف والمحلية على ما عداها من القضايا الأخرى، في المواسم الانتخابية. ولبنان ليس استثناء لهذه القاعدة، لكنه استثناء دائم.
فقد أثيرت في الأيام الماضية قضايا عديدة ومن بينها قضيتان تمثلان أنموذجا على طغيان الصغائر والاحقاد والغايات المحدودة والضغائن على المصالح الكبرى والاهتمامات العامة.
القضية الأولى، التي كان هناك تمهيد لاعادتها الى الأضواء، هي تفكير بمحاولة إعادة احياء القرض الذي كان ممنوحا للبنان لانشاء سد بسري والذي تم تجميده بعد اعتراضات واسعة من قبل الجمعيات البيئية واعداد كبيرة من الناشطين في منظمات المجتمع المدني احتجاجا على تدمير مرج وادي بسري الذي قد يطمر مع تنوعه البيئي والزراعي في مياه السد اذا ما تجمعت.
أما القضية الثانية، فقد تمثلت باقدام مجلس الوزراء في جلسته يوم الخميس 3 اذار على قرار رفع الإشارات العقارية، أي تحرير العقارات التي كانت محجوزة منذ العام 1966 والمتعلقة بمشروع الأوتوستراد الدائري الذي كان قد اقترحه من ضمن التخطيط المديني لبيروت المهندس ايكوشار الذي كلفه الانتداب الفرنسي في العام 1936.
مشروع الأوتوستراد الدائري اي الذي يلتف حول العاصمة، هو المشروع الوحيد المخطط بشكل جدي وعلمي وفي حال تنفيذه من شأنه تخفيف ضغط السير الهائل والتلوث المرافق عن مدينة بيروت والضواحي. وهو المشروع الذي بإمكانه نقل المواطن القادم من خلدة جنوب بيروت مثلا، الى ضبيه طبرجا في شمالها بدقائق معدودة من دون المرور بوسطها المزدحم.
السلبية المتراكمة، في الامر ان العقارات كانت محجوزة من العام 1966 ولم تقدم الدولة والعهود المتعاقبة على استملاكها أي دفع ثمنها لاصحابها، وقد بقيت العقارات كل هذه السنوات محجوزة باشارات عقارية تمنع المساس والتصرف بها.
طبعا هذا التطور اي تحرير العقارات، حدث بجهد وبدفع من التيار الوطني الحر ومطالبة ملحة من رئيس الجمهورية وفريقه وقد اعتُبر الغاء مشروع الأوتوستراد الدائري بمثابة انجاز بطولي أعاد الحق لأصحابه من أصحاب العقارات الذين هم في اغلبهم من المسيحيين ( الحدث، بعبدا، والمتن).
رفع الإشارات العقارية عن مشروع ايكوشار، أو الاوتوستراد الدائري حول بيروت الكبرى هو عمليا الغاء للمشروع الحلم الذي راود اللبنانيين بان يعيدوا يوما ما، انقاذ مدينتهم من الازدحام الخانق والذي سيصبح بعد سنوات قليلة ازدحاما قاتلا.
اقرار مشروع تحرير عقارات الاوتوستراد تم من خارج جدول اعمال مجلس الوزراء، اي بتفاهم بين الرئيسين ميشال عون ونجيب ميقاتي ولم يتح للوزراء او الهيئات المعنية في الدولة، والمجتمع، الاطلاع والدراسة والمناقشة.
حاول أحد الوزراء اثارة نقاش وطلب التمهل لكن طلبه لم يسمعه احد، فأُقر مشروع الغاء الاوتوستراد الدائري، اي تحرير العقارات، وسط تهليل عوني وكأنه تحرير لاراض لبنانية محتلة، وخرج نواب التيار الى وسائل الاعلام للاشادة والتمجيد بارادة رئيس الجمهورية الصلبة التي حررت عقاراتهم بعد احتلال طويل ومديد.
كان بامكان الحكومة التمهل والتروي قليلا في التعاطي مع الامر عبر دراسة لبدائل ممكنة لتنفيذ الاوتوستراد الدائري وافادة اصحاب العقارات، اي التفكير ببدائل نافعة للمدينة المختنقة، الملوثة، ولاصحاب الأملاك، لكن من يعرف اننا على ابواب انتخابات نيابية يدرك لماذا اصر فخامة رئيس الجمهورية على هذا القرار.
السؤال ما هي النتيجة التي ستكون من تحرير العقارات ورفع الاشارات العقارية عنها؟
اصحاب هذه العقارات باتوا احرارا في استثمار املاكهم اما بمشاريع خاصة او ببيعها والاستفادة من ثمنها، والارجح ان تجار الابنية السكنية سيجدون الفرصة مناسبة والاصح في حالة لبنان الراهنة ان تمتد وترتفع الابراج السكنية مكان هذه العقارات مما يحرك اكبر ورشة لجبالات الباطون التي ستتنطلق من خلدة الى الحدث مرورا بتلال بعبدا والمتن وصولا الى طبرجا اي زيادة الاستثمار وكثافة في البناء في حدود غير معروفة.
في المحصلة ان ما سيجري عمليا، هو تكديس ورصف مزيد من الابنية والابراج السكنية حول مدينة بيروت.
المشروع الثاني الذي يفكر القيمون على الدولة بإعادة تحريكه ايضاً، هو اعادة البحث بالعودة لإنشاء سد بسري وإذا ما نجح، فانه سيؤدي في النهاية الى الغاء مساحة حرجية خضراء في منطقة بسري وسهلها الزراعي وتحريك اكبر ورشة من جبالات الباطون في المنطقة لاقامة السد الافتراضي المنتظر.
في هذه الحالة يكون العهد الحالي قد انتهج اسلوبا جديدا ومبتكرا، على ابواب الانتخابات، فقد ازاح سياسة الزفت الانتخابي التي كانت معتمدة في مثل هذا الوقت ليحل مكانها تحالف جبالات الباطون السياسي، فوق كل غصن اخضر.
