كتب أحمد الأيوبي
في نداء الوطن
ثقيلةٌ هي الكتابة عن كارثة إنسانية بحجم زلزال القرن تتسابق فيها الأرقام مع الثواني في محاولات إنقاذ الأرواح ومنع تحوّل البشر إلى مجرّد لوائح تتناقلها وسائل الإعلام تختزل مآسي مئات آلاف العائلات التي فقدت أحباءها في كارثة تعقب عقوداً من التوحّش المرعب ساد فيها القتل وانفلات الميليشيات وتراجع القيم في المنظومة الدولية بشكل غير مسبوق.
لعلّ من أسوأ ما شهدناه في أيام الرعب الفائتة هو الاستغلال الذي مارسته منظومة الممانعة «على رأس السطح» للكارثة الإنسانية التي أوقعها الزلزال في سوريا لتُطلق حملة تحمل شعار «إسقاط العقوبات والحصار» عن النظام السوري وفرض التطبيع معه، بالتوازي مع اجتياحٍ كامل لما تبقّى من مؤسسات الدولة وتسخيرها في هذا المجال، رغم أنّه لم يحصل ما يسمح بتغيير الموقف من الواقع السوري.
بكبسة زر، إنطلقت الحملة لتهتف بشعارٍ واحد: إرفعوا الحصار وساعدوا سوريا كما ساعدتنا. ولا نعرف أين ساعد نظام الأسد لبنان وكيف؟ وإذا كان المقصود استقبال اللاجئين في حرب تموز، فإنّ ذلك كان تبادلاً للمصالح في إطار محور الممانعة، أكثر مما كان عملاً إنسانياً محضاً، والعجيب هنا أن يحفظ «حزب الله» وحلفاؤه الجميل لبشار الأسد كونه استقبل أهالي الجنوب المهجرين بسبب حربٍ تسبّب بها «الحزب»، بينما انقلب على شركائه في الوطن الذين فتحوا قلوبَهم وبيوتهم ومدارسهم ونواديهم للنازحين، وقدّموا كلّ غالٍ ونفيس لإكرام من وفدوا إليهم من غير أن ينتظروا لا جزاءً وشكوراً، فاحتلّ عاصمتهم وأدار سلاحه عليهم.
تمتلك الممانعة منظومة قادرة على فعل أيّ شيء مهما كان قبيحاً، للوصول إلى أهدافها. فأين كانت هذه المشاعر الإنسانية المرهفة عندما قام النظام السوري بضرب الغوطة بالكيماوي وأباد وهجّر بهذا السلاح الآلافَ من أهلها، وأين كانت هذه المشاعر المفرِطة الحساسية عندما تحوّل تدمير حمص إلى إنجاز والقصف بالبراميل المتفجّرة التي امتلأت من نيترات مرفئنا المتفجِّر إلى ثقافة ومصدر افتخار؟!
كان «أمرُ الساعة» هو إطلاق موجة أمرٍ واقع لفرض التطبيع مع النظام السوري وتبييض صفحته تحت شعار «رفع الحصار والعقوبات عن سوريا» من أجل تمكين المساعدات من الوصول إلى المناطق المنكوبة.
الغريب في هذا السياق، هو أنّ مسألة التطبيع مع نظام الأسد كان يمكن القيام بها في عهد الرئيس السابق ميشال عون، لكنّ هذا لم يحصل، والمؤسف أن ينخرط الرئيس نجيب ميقاتي في هذه الجوقة وأن يستجيب لها، خاصة بموافقته على قرار فتح المنافذ البحرية والجوية نحو الداخل السوري لأنّه يساهم فقط بتغطية الحركة العابرة للحدود لصالح الممانعة.
بنى «حزب الله» ومنظومته هذه الحملة على الزعم بأنّ «قانون قيصر» يمنع المساعدات الإنسانية وهو ما صرّح بعكسه أكثر من مسؤول أميركي، وباعتراف وزير خارجية النظام فيصل المقداد بهذه الحقيقة، لكنّ الدعاية الكاذبة استمرّت لأنّها مطلوبة سياسياً وليس إنسانياً.

يستغلّ نظام الأسد إصابة مطار هاتاي التركي والطرق المؤدية إلى الشمال السوري بالزلزال، فيسعى لفرض عبور المساعدات عن طريقه للتحكّم بها، وهو صاحب السيرة العابقة بالفساد، وقد كشفت التحقيقات مدى الفساد الذي ساد العلاقة بين منظمات الأمم المتحدة والنظام حتى وصل إلى حدود التواطؤ، كما حصل تماماً في اليمن لصالح جماعة الحوثيين.
لكن في الخلاصة يفترض بجماعة الممانعة التخفيف من غلوائهم، فهذه الحملات لن تغيِّر في الواقع شيئاً وما عجزوا عن تحقيقه من التطبيع في عهد ميشال عون لن يحقِّقوه الآن، لأنّ الدماء لا تمحو الدماء ولأنّ سقوط الضحايا بالزلزال لا يشطب الجرائم المطبوعة في الضمائر والقلوب في سوريا وفي لبنان.
