
عارف العبد
لم يكن ينقص لبنان سوى الخضة المستجدة إزاء الموقف من الغزو الروسي لأوكرانيا. فقد شكل موقف الإدانة اللبناني لهذا الغزو موضوعاً جديداً لتمحور الخلافات وافتراق الدروب بين أطرافه المتناثرة والمتباعدة أساساً في المواقف والتوجهات، والتي لم تكن بحاجة لموضوع جديد للتنازع والافتراق.
اعتقد المحور الذي أصدر البيان الإدانة للغزو الروسي أن موقف لبنان سيحظى بالإطراء والإجماع والتشجيع. لكن حسابات محور الحقل الأميركي الأوكراني لم تتوافق مع بيدر المواقف المتباينة والمعترضة من المحور المقابل، الملتف حول إيران المتحالفة مع روسيا بوتين في أكثر من ملف مصلحي في المنطقة، وليس آخرها سوريا.
سبق للبنان في العام 1990 أن ميّز نفسه عن باقي الدول العربية، حين أقدم الرئيس سليم الحص بشجاعة وموقف لافت على الانفراد بإدانة الغزو العراقي للكويت، مما وضع لبنان ومواطنيه يومها على الراحات وفي مقدمة مواطني الدول العربية صاحبة الامتياز الأول والمفضل في دول الخليج العربي.
لقد جرت مياه كثيرة في لبنان والمنطقة منذ ذلك التاريخ، وما كان مقبولاً ومرحباً به في ذلك الزمان لم يعد من السهل القبول به في هذه الآونة.
كان لبنان محمولاً يومها على أكف الترحيب والتقدير العربي، قبل أن يندلع الصراع الراهن بين طموح إيران للتمدد والسيطرة في المنطقة، في مواجهة الممانعة الخليجية المتصاعدة.
صحيح أن لبنان مطالب بموقف أخلاقي في حالة الدب الروسي والأرنب الأوكراني الأشقر بعيونه الملونة، أي في موضوع ابتلاع الكبير للصغير والقوي للضعيف، لكن لبنان كفّ منذ فترة طويلة عن أن يكون دولة محددة المعالم ومعروفة السياسات والاتجاهات.
صحيح أنه تم تجاهل سياسة النأي بالنفس، المحصورة بحسب وزير الخارجية بالدول العربية والخليجية على وجه الخصوص، لكن إحكام العقل المصلحي اللبنانوي الوطني في حده الأدنى، يجب أن يدفع نحو سياسة الحياد الإيجابي أو الانحياز إلى سياسة عدم الانحياز. باستثناء المواضيع والقضايا القومية والوطنية الأساس، كمثل الصراع العربي الاسرائيلي وقضية احتلال الأراضي اللبنانية من إسرائيل.
مصلحة لبنان العميقة أن يكون بعيداً عن المحاور كل المحاور. فهو اعتباراً من هذه الفترة بحاجة لسنين طويلة من الاستقرار الثابت والعمل المستمر، لاستعادة أنفاسه بشكل طبيعي، إذا ما نجح في التوافق والاتفاق الداخلي على خط استعادة العافية أو التعافي بشكل واثق وواضح.
لبنان نكبته كبيرة جداً على مختلف المستويات.
تقول الرواية من مصادر متعددة أن السفيرة الأميركية في لبنان دوروثي شيا اتصلت برئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي، وطلبت منه بيان الإدانة. وهو بدوره تواصل مع رئيس الجمهورية ووزير الخارجية، وتمت صياغة البيان الذي صدر واستجرّ انزعاج الثنائي أمل وحزب الله وأطراف سياسية كثيرة متضامنة ومساندة. وقد ثبتت المطالب الأميركية بعد ذلك باحتضان أميركي أكثر كثافة للبنان، وصولاً إلى ضمان التصويت في مجلس الأمن إلى جانب قرار الإدانة لروسيا.
لو لم يلب لبنان الطلب الأميركي لكان العقاب الصارم قد طاله في أكثر من مجال أميركي وغربي وأوروبي، وأولها من الصناديق الدولية والأوروبية، التي تُمسك بمفاتيح الخروج للعيش في العالم الطبيعي، ويأمل لبنان أن يحصل على حفنة مساعدات في المستقبل.
لكن الموقف اللبناني الذي انحاز إلى موقف الأغلبية الدولية لن يمر مرور الكرام من الآن وصاعداً، ولن تسلم الجبهة الداخلية من الارتدادات.
ليس من باب المصادفة أبداً، هذا التلازم بين موقف حزب الله المستجد على لسان النائب محمد رعد بخصوص موضوع الترسيم والثروة النفطية، في الجنوب، والذي ظهر بعد البيان المنحاز إلى جانب الطلب الأميركي.
يبدو أن حزب الله الممسك في هذا الزمان بخناق الصيغة اللبنانية الحالية، انتبه أن أمراً جديداً قد حدث، وهو اتفاق الثنائية الميقاتية-العونية الظرفية على التفلت قليلاً من قيد وهج السلاح، فاستفاق غاضباً من هذا التسلل الذي حدث إلى خطوطه الخلفية، ضارباً يده على الطاولة صارخاً، توقفوا عند حدكم، أنا هنا، ولن أسمح بعد الآن بالانقضاض على المائدة بغفلة من التشاطر.
الثنائية المستجدة بين عون وميقاتي ليست بسيطة في هذه الحشرة، سبق أن ظهرت في أكثر من مناسبة مؤخراً، من إقرار الموازنة وبعض التعيينات وصولاً إلى الموقف من الغزو الروسي الذي ظهر جلياً في مجلس الأمن.
من الواضح أن العالم بشكل عام وأوروبا تحديداً، أو المحيط الأوراسي لأوكرانيا، قد دخل في مرحلة جديدة. وأزمة تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا لم يعد بالإمكان توقع ارتداداتها ونتائجها في لبنان والعالم.
كيف ستنعكس هذه المواجهة الساخنة في قلب أوروبا على لبنان المتهالك ومحاوره المتنافرة؟ وهل سيتمكن لبنان من الانحياز نحو عدم الانحياز؟ والنأي بنفسه عن المحاور؟
طبعاً هذا مستحيل!
