كتبت الزميلة جانين ملاح
في موقع اللبنانية
مشهدٌ كبير استوقف اللبنانيين أجمع أمس الاربعاء على وقع تعنيف وإذلال كبير تعرّض له عناصر قوى الأمن الداخلي، الذين وخلال القيام بمهمتهم لناحية قمع إحدى المخالفات الموجودة على أملاك للدولة، تعرضوا للدورية بوابل من المسبات والإذلال المقيت لرمزية هذه البذلة العسكرية، حيث تطوّر الأمر مع هؤلاء الشبان إلى أن يقوموا بتضخيم الأمر طائفيًا من خلال شتم بكركي ورمزيتها، ممعنين باستكمال مخالفتهم.
لا شك بأن أيًّا كان يرفض هذا المشهد الذي لا يعبّر إلا عن تهاوي أركان الدولة ركنًا تلو الآخر، لكن السؤال الكبير الذي يطرح: لماذا هذه التحركات التي تقوم بها القوى الأمنية لا يسمع لها صدًى في كافة المناطق اللبنانية؟
عمليًا لا تخلو منطقة لبنانية من التعديات على أملاك الدولة، إذ تنتشر هذه الآفة على كافة بقع لبنان من شماله إلى جنوبه، إذ أن التعدي على مشاعات الدولة بلغ نسبًا غير معقولة أبدًا. فتاريخيًا وعلى امتداد حاضر وعمل الدولة اللبنانية، فإن الحكومات المتعاقبة أقرّت ما نسبته ٦ قوانين منذ ١٩٦٤ لغاية العام ٢٠١٦ حاولت من خلالها ضرب عصفورين بحجر واحد، من خلال تسوية مخالفات المواطنين أولاً، والحصول على مورد مالي ثانيًا تغذّي به خزينتها المالية، متجاهلة هذه الحكومات الخطر الكبير لهكذا قرارات الذي يحرم الدولة عائدات أكبر تتمثل بقيمة ما يتم دفعه.
هذا من جهة، أما من جهة أخرى فيمكن القول بأن أداء القوى الأمنية هو أداءٌ شبه محصور بمناطق معينة لناحية قمع المخالفات وهذا ما يرجعنا يوم ذلّت الدولة وأجهزتها خلال جلسة لمجلس النواب تاريخ ١٤/١٢/٢٠١١ والمخصصة للاسئلة الموجهة للحكومة واجوبتها حين اشار الرئيس نجيب ميقاتي الى القضاء لقمع مخالفات البناء، ساد البرلمان ضحك كثيف، مما حمله على التساؤل اذا كانت السلطات القضائية “بتضحك”، وهذا هو الواقع المضحك.
فعن أي عدالة نتكلم، والمناطق اللبنانية تعاني من تمايز كامل من فرض قوة الدولة وهيمنتها؟ إذ من غير المعقول أن تقوم مفرزة في طرابلس، والجبل، وعكار مثلا بالتحرك على المواطن الذي يبني بمجرد اتصال وارد، وأن لا تقوم بفرض الهيبة نفسها في مناطق “حزبية” محمية بقوة السلاح.
وعليه، تشكّل التعديات بحدّ ذاتها ضرباً لكل مفاهيم الدولة كما تمثل خطورة وطنية واجتماعية، اذ لها انعكاس مباشر على المجتمع سواء لناحية التنظيم الذي يضمن معيشة أفضل للأجيال المستقبلية، أو لناحية الحفاظ على البيئة وسلامتها. فعلى اختلاف المناطق اللبنانية تنتشر التعديات لكنها بنسب متفاوتة إذ تحتل الضاحية المراتب الأولى وتتذيله جبل لبنان.
وعلى العموم، فإن الإعتداء اللفظي والإهانة التي تعرضت له القوى الأمنية هو أمر مرفوض، ولا يعبّر عن شكل دولة، لكن ما جرى وما يجري من تمايز لمنطقة على منطقة أخرى، ولما يجري من اختلاف صلاحيات قطع أمنية على امتداد بقع الأرض يدفعنا للسؤال عن “هل باتت مخالفات لبنان تخضع لنظام معين، ومخالفات مناطق نفوذ أحزاب سياسية مسلّحة كحزب الله تخضع لقوانين أخرى خاصة؟”
