
مروان حيدر
إعلامي وصانع أفلام وثائقية
ناشط سياسي واجتماعي
أصبح من المعروف في عاصمة الشمال طرابلس مصطلح الميمات الطرابلسية الشمالية المعطلة، وهذا اختصار لمجموعة المرافق الكبيرة الموجودة في طرابلس والجوار والتي لا تستفيد منها المدينة ولا تقدم أي نفع لوجيستي او تنموي للمدينة المنهكة اقتصادياً ومعيشياً ..
يلخص أبناء الشمال هذه الميمات القاتلة، أبرزها،( معرض رشيد كرامي الدولي )، هذه الايقونة المعمارية التي صممها المهندس العالمي” أوسكار نيماير ” والتي تتربع على مساحة مليون متر مربع في أكثر مناطق المدينة حيوية ورقيا، و هذا المعرض يعد الأكبر على مساحة الوطن، ومن الاهم على مستوى الشرق الاوسط، ولكن الحقيقة المرة ان المعرض بحاجة الى تفعيل القوانين المتعلقة به لتجعله صاحب الحصرية لاستدراج المعارض العالمية، وهو يعاني اليوم من إهمال كبير على مستوى الترميم والتحسين، إذ يتعرض مسرحه العائم للانهيار منذ فترة زمنية غير بعيدة …

أما الميم الثانية، فهي( مصفاة نفط طرابلس )أو منشآت نفط طرابلس، تلك المنشأة العظيمة التي استدرجت شركة نفط العراق اليها، أنبوب نفط في الستينيات من القرن الماضي، وكان إنتاجها النفطي احد اكثر مواد البتروكيماويات جودة على مستوى العالم والتي جعلت من لبنان حينها – اضافة الى مصفاة الزهراني- أحد أبرز البلدان المصدرة لمشتقات البترول، تعرضت المصفاة الى عملية تدمير جزئي خلال الحرب الاهلية، ومنذ ذلك الحين لم تستفيد المنشأة من أي عملية صيانة وإعادة تأهيل، مع العلم انها تملك مجلس ادارة وموظفين وعمّال وتحتل مساحة هائلة في الطرف الشمالي للمدينة، مع مرفأ بحري صغير يستقبل سفن الاستيراد والتصدير النفطي.

أما الميم الثالثة،( مرفأ طرابلس )، ومعه الميم الأخرى ( منطقة اقتصادية خاصة)، وهو أحد أهم مرافئ المنطقة الساحلية المتوسطية العربية، تكمن أهميته ونظراً لموقعه وجغرافيته. ولكن المرفأ هذا يحتاج الى مزيد من الدعم والإمداد ليصبح مؤهلاً للعمل بأقصى طاقة انتاجية ممكنة، أصبحت احواضه من اعمق الأحواض على مستوى المرافئ اللبنانية كما تم استحداث رافعات للحاويات على رصيفه العائم,
هو بحاجة الى مجموعة كبيرة من العناية اللوجستية والموظفين والكشافين والتسهيلات المطلوبة، ليصبح قادراً على تلبية خدمات الاستيراد والتصدير،
والمنطقة الاقتصادية الخاصة التي تصارع الوجود بسبب عدم تأمين المستلزمات المالية والادارية الكافية لجعلها قادرة على الانتاجية واستدراج مصانع عملاقة داخل مساحتها التي تلامس المرفأ، وبدأت بنيتها التحتية تتهشم بسبب عدم الصيانة وسنوات الإهمال.

الميم الرابعة( محطة القطار )، هي محطة سكة الحديد المتواجدة في غرب المدينة، والتي أصبحت مستوعباً للعربات القديمة ومركزاً للمباني المتهالكة، التي تشهد على أنقاض سكة حديدة كانت تربط طرابلس بالمدن اللبنانية، والسورية الساحلية والداخلية، وصولاً إلى الحجاز وتركيا, لكنها ترقد اليوم دون اي اهتمام ودون أي تفعيل لهذا المرفق الحيوي المهم والمهجور منذ أربعينيات القرن الماضي .

الميم الخامسة ( مطار الرئيس رينيه معوض )، أو مطار القليعات، يعتبر المطار الاقرب الى عاصمة الشمال، و الذي يشكل – في حالة تفعيله مطارا مدني- نقلة نوعية حيوية على مستوى المنطقة والشمال على وجه العموم.

أما الميم السادسة ( ملعب طرابلس الأولمبي )، والمعروفة ايضاً بمدينة طرابلس الاولمبية، وهو الملعب الذي شيّد على خلفية استقبال لبنان لبطولة آسيا لكرة القدم، ومنذ ذلك التاريخ، لم تطرأ اي تحسينات او ترميمات أو حتى صيانة بسيطة للملعب الذي تعرض مدرجة للتدمير, فضلاً عن التلف والعطب الذي يلحق بتجهيزاته المختلفة والذي عرف فيما بعد بملعب المباراة الواحدة …

وهناك العديد من الميمات التي لا يتسع ذكرها الان …
و لكن المستغرب في علاقة طرابلس بحرف ” الميم ” من حيث المرافق التي تم ذكرها، والمستغرب أكثر ارتباط هذا الحرف بالذات بمفاعيل هذه المرافق وصفاتها التي تحملها أيضا…
فجميع هذه المنشآت دون استثناء، م عطلة، م همّشة، م نسيه، م بعدة، م جمّدة، م هملة، وم
تروكة للاقدار والأيام التي تعيث فيها خرابا ودمارا …
فهي ( دينة )لا( مدينة ), فلا ترغب طرابلس بهذا الحرف الذي أصبح تعويذاتها القاتلة على مدى السنين المنصرمة وحتى اليوم .
وسيبقى حرف “الميم” المشؤوم يلاحق طرابلس حتى بأسماء المسؤولين والوزراء والنواب والفعاليات التي تهيمن على المدينة سياسياً و تمثيلياً.
فهل ستكون مماتهم حلاً للأزمة الشمالية المزمنة …؟
