د.ناجي خليفة الدهان
مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية
تتناقل وسائل إعلام محلية وغربية عن توتّر في العلاقات بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى وخاصة فيما يتعلق بالملف النووي، وثمّة حديث عن حرب وشيكة، ولفهم حقيقة هذا التوتّر وهذه التهديدات، لا بد من كشف الغموض عن طبيعة العلاقات المعقّدة المتداخلة التي جمعت كلًّا من إيران وإسرائيل والولايات المتحدّة الأمريكية، ولا بدّ من فهم العوامل المحرّكة لها وفهم التقاطعات والمصالح المشتركة بينهم.
إنَّ تشابُه الأحداث التاريخية يدفع البعض إلى القول: بأن التاريخ يعيد نفسه؛ والصحيح أن الأحداث التاريخية تتشابه بسبب تشابه الدوافع والديناميكيات /المحركات، وهو الأمر الجدير بالدراسة والملاحظة بهدف الاستشراف المستقبلي لأحداث المنطقة والعلاقات الدولية المعقدة فيها.
لمحة عن تاريخ العلاقات الإيرانية ـ الأمريكية:
مع بداية عام 1501 ودخول القرن السادس عشر ميلادي استولى إسماعيل الصفوي على الحكم في إيران، وأول رسالة يوجهها البلاط الصفوي إلى ملك البرتغال يطلب منه التعاون لغزو مكة والمدينة، ووصلت قواتهما إلى الجزيرة العربية ولكن اضطراب الأوضاع في البرتغال اجبرته على التراجع. فالتاريخ الصفوي من أول لحظة في نشأته بدأ التآمر مع الأعداء على الأمة الإسلامية.
والعلاقات الأمريكية الإيرانية جذورها قديمة ومتطابقة في الأهداف والنوايا رغم أنها مرّت بعدة مراحل يتخللها شدّ وجذب ولكنها مستمرة ولم تنقطع، وهناك من يرى أن العلاقات الإيرانية – الأمريكية مرّت بثلاث مراحل مهمة، وهي:
المرحلة الأولى: منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى بداية الحرب العالمية الثانية. ولم يكن فيها سوى تعاون محدود بعدد من الخبراء الأمريكيين بهدف إجراء إصلاحات في النظام المالي الإيراني.
المرحلة الثانية: انطلقت باحتلال الحلفاء لإيران في الحرب العالمية الثانية، واستمرت حتى انتصار الثورة الاسلامية في عام 1979، وفيها تنامى النفوذ الأمريكي والحضور العسكري على الأراضي الإيرانية. (1) وقد فضّل الشاه الولايات المتحدة كحليف رئيس لإيران، منذ تولّيه العرش في عام 1941 إذ فضّل تنمية المصالح الأمريكية وزيادة تغلغلها في إيران، وجعلها وسيلة لتحقيق غايات داخلية وخارجية، وتطوّرت العلاقة بتوقيع إيران للاتفاقية الإجرائية مع الولايات المتحدة في 5 آذار (مارس) 1959 بعد أن رفضت إيران عرضًا سوفيتيًا لعقد معاهدة سلام لمدّة خمسين عامًا، تعهّدت الولايات المتحدة ب:
1 ـ استمرار تزويد إيران بالمساعدة العسكرية والاقتصادية.
2 ـ تقوم بمساعدة إيران في حالة العدوان عليها.
وبفضل علاقاتها الوثيقة مع إسرائيل أصبحت إيران حليفاً كبيرًا للولايات المتحدة الأمريكية التي أرادت أن تجعل منها شرطيًا في منطقة الخليج العربي.
المرحلة الثالثة: بدأت تلك المرحلة عندما تمّ التعاون النووي بين البلدين، وكان الجانب الأهم في العلاقات الإيرانية ـ الأمريكية هو التعاون في المجال النووي، والذي بدأ بتوقيع أول اتفاقية للتعاون في مجال استخدام الطاقة الذرية للأغراض المدنية في 5 آذار (مارس) 1957. وتم تجديد الاتفاقية أكثر من مرّة وآخرها 1969 التي تنص على أن تبقى سارية المفعول لمدّة عشرين عامًا. (2)
أما العلاقات الإيرانية ـ الأمريكية بعد عام 1979وصفت بالعدائية، إذ قامت في تلك المرحلة على اتهام كل منهما للأخرى برعاية قوى الشر والإرهاب، ووصف الخطاب السياسي الإيراني الولايات المتحدة الأمريكية بالشيطان الأكبر، فيما يضع الخطاب السياسي الأمريكي إيران على رأس قائمة الدول الداعمة للإرهاب، إذ العلاقة مع الولايات المتحدة سوف تتسع وتنكمش حسبما تحدّده المصالح المشتركة، ويمكن أن يكون من باب التقية السياسية لحل المشاكل التي قد تطرأ بين الطرفين أصحاب المصلحة. (3)
وفي الحقيقة لم تكن السياسة الأمريكية تجاه إيران بعد عام 1979 على مستوى عال من العدائية، بل تركت واشنطن الباب مفتوحًا مع النظام الإيراني الجديد وتبنّت سياسة الاحتواء، خوفًا من سقوطه في أحضان المعسكر الشرقي السوفيتي.
لقد تبنّت إيران الرأي القائل: بأن الولايات المتحدة تسعى لتغيير النظام في إيران إذا استطاعت إلى ذلك سبيلا، لكنهم يعتقدون أن هناك مصالح مشتركة كثيرة، فالإرهاب والتطرف يمثلان عدوًا مشتركًا وخطيرًا لكل من إيران والولايات المتحدة وحلفائهما في المنطقة، وتؤكد هذه المدرسة على أن دائرة المخاطر على الطرفين تفرض عليهما التعاون المشترك).
وبرز تطبيق هذا المبدئ قبل عام 2003 في مسألة احتلال العراق، حيث تعهّدت إيران بتقديم كل أنواع التعاون والتسهيلات للقوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها، وكان التنسيق والتعاون منذ اللحظة الأولى على أرض العراق ولا يزال مستمرًا حتى اليوم!!
إن ما يجري في العراق هو عبار عن قمّة التعاون والتنسيق الأمريكي الإيراني الإسرائيلي على الأراضي العراقية وكل ما تسمعه في الإعلام عن عداء وحرب غير صحيح، بل هو مجرّد تلفيق إعلامي للتغطية والتعمية وذر الرماد في العيون، وهناك ما يثبت ذلك ك “تريتا بارزي” في كتابة حلف المصال المشتركة (التعاملات السرية بين إسرائيل وإيران وأمريكا) وكتاب (استهداف أهل السنة) للدكتور نبيل خليفه، وهو يمثل المخطّط الاستراتيجي للغرب وإسرائيل وإيران للسيطرة على الشرق الأوسط، وهو ما يجري على أرض الواقع في العراق منذ عام 2003 ولحد الآن ومنه إلى بقية الدول العربية لتنفيذ المخطط.
لمحة من تاريخ العلاقات الإيرانية الصهيونية:
إن حكاية العلاقات الصهيونية الفارسية تعود إلى عام 530 قبل الميلاد وتحديدًا إلى عهد قورش الكبير، وإرجاعهم من السبي ورد نفائسهم من خزائن بختنصر ببابل، وأصدرت إسرائيل عام 2015 طابعًا بريديًا يحمل صورة اسطوانة طينية، اشتهرت باسم بيان قورش تكريما للملك محرّر اليهود ويحمل لقب بطل فارس لدى الإيرانيين، وأصبحت جذورها أكثر وضوحًا في زمن الشاه في إعلان افتتاح سفارتها في القدس عام 1950 بعد عامين من إعلان دولتها المزعومة، رغم إغلاقها لاحقا.
لقد اخذت العلاقات بين الطرفين شكلًا استراتيجيًا خصوصًا في الجانب العسكري للتصدي للإعداء المشتركين، إضافة إلى إنشاء مشاريع زراعية وصناعية، وتحوّلت إيران إلى دولة صديقة لإسرائيل يقصدها أصحاب رؤوس الأموال الإسرائيليين حتى انتعشت البنوك الإيرانية وأيضا أخرجت إسرائيل من حصار فرضة الجوار العربي لتكون إيران مصدر الإمداد النفطي الأول في حرب 1967 وأكتوبر عام 1973، ليسقط تحالف النفط مقابل السلاح في حقبة الشاه.
ومع إعلان قيام الثورة الإيرانية عام 1979 بقيادة الخميني ورفع شعار تصدير الثورة، اتسمت العلاقات بالعداء المتبادل على لسان الساسة في البلدين، إلا أنّ الوقائع والأحداث التاريخية فضحت استمرار هذه العلاقات البرغماتية التي تجمعهما، فهناك محاولات لكل طرف في بسط نفوذ أوسع على المنطقة، وخلال الحرب العراقية الإيرانية التي امتدت ثمانية أعوام جرت عدّة صفقات مع إسرائيل، وكانت أول صفقة فضحت عام 1981 عندما اسقط الدفاع الجوي السوفيتي الطائرة الأرجنتينية وكانت محملة ب 360 طنا من السلاح إلى ايران وهذه واحدة من سلسلة طائرات تنقل السلاح من إسرائيل إلى طهران والتي يتطلب ( 12 ) رحلة جوية لنقلها، وبين عامي 1980 _ 1985 كانت إسرائيل مصدر السلاح الأول لطهران، وصفقة تزويد إسرائيل إلى طهران بصواريخ ( هاوك ولانس ) ومدافع ( هاوترز ) ، وبعدها فضيحة إيران كونترا عام 1986التي لعبت فيها إسرائيل دور الوسيط في توريد أسلحة ومعدات عسكرية لإيران، وتأتي فضيحة ( ناحوم مانبار ) رجل أعمال إسرائيلي وضابط سابق تورط عام 1998 في بيع أسرار ومعدات عسكرية لإيران تمكنها من صنع سلاحا كيمياويا، وفي عام 2014 فتحت أمريكا تحقيقا حول تورط بعض تجار السلاح الإسرائيليين ببيع قطع غيار لطائرات مقاتلة لإيران متجاوزين للعقوبات الأمريكية عبر سفينتين محملتين بشحنات لطائرات الفانتوم.
شعار الموت لإسرائيل، الموت لأمريكا مسرحية من الطراز الإيراني، وصفقات السلاح التي لم تكن سوى نقطة في بحر المراسلات الإيرانية الإسرائيلية الأمريكي، في الحرب التي شنتها أمريكا لاحتلال العراق عام 2003 ، والتي حوّلت العراق إلى ولاية إيرانية تحكمها مليشيات طهران عسكريًا وفق مخطط ولاية الفقيه، في السيطرة على المنطقة برمتها من خلال عداء مصطنع تجاه أمريكا وإسرائيل، وصلت في تموز عام 2006 لأعلى مستوياته، وبان أكثر عام 2011 مع انطلاق الثورة السورية وتعرية طبيعة العلاقة بين النظام السوري وإسرائيل، وإن السيناريو الذي اعتمدته إسرائيل من خلال ضربات ناعمة لميلشياتها دون إنهاء تواجدها الكامل دليل على التوافق والتنسيق بينهما، ولفهم طبيعة العلاقة يكفي أن ننقل ما كتبه العضو السابق في حزب اللات الشيخ محمد الحسن رئيس التيار الحرفي لبنان ( كنت أقول حقيقة الواقع منذ 2006 أن العدو الإسرائيلي هو حبل نجاة حزب الله فكلما انزلق الحزب في قضية حساسة وملف هام كانت إسرائيل تقوم بواجب الوفاء معه فقصفت هنا وهناك وتهدد وتسطر مسرحية هزلية استعراضية لتكون رافعة للحزب هو شريك أساسي لإسرائيل والهدف الأساسي في قيام شراكة شيعية صفوية صهيونية لضرب العمق السني العربي).
مسرحيات وجعجعات امتدت لسنوات طوال ولاتزال، كان آخرها ترسيم الحدود البحرية بين حزب اللات وإسرائيل بعد كل الحروب والحفلات الإعلامية الصارخة التي تبث ليل نهار لشراء الولاء وتخدير الشعوب وخداعها بأسطوانة حلف المقاومة على طريق القدس، الذي مرّ بأربع عواصم عربية دون أن يلتفت للقدس ولو لمرة واحدة، ليثبت التاريخ أن شعارات الموت لإسرائيل التي حملتها ثورة خميني في النهار كانت مع توقيع صفقات الليل والتوافقات في سرير علاقات المنصة البرغماتية بين طهران وتل أبيب برعاية أمريكا لتفتيت الإسلام وتهجير العرب.
تداخل الأهداف بين إيران وأمريكا وإسرائيل:
تأتي أهمية الموضوع من أنها تتناول تداخل الأهداف الإيرانية مع الولايات المتحدة، وبدرجة ثانية مع إسرائيل ضدّ الأمة العربية وبالتحديد العراق في فترةٍ شهدت أحداثاً تاريخية كبيرة مثّلت نقاط انعطاف في القرنين الماضي والحالي، أبرزها:
انهيار الاتحاد السوفييتي، وغزو العراق للكويت وما تلاه من تدخل دولي ضدّ العراق، وأحداث 11 أيلول وما تلاها من احتلال للعراق وأفغانستان، إضافة إلى البدء بـ “عملية السلام” العربية – الإسرائيلية. مع محاولة التركيز على محركات التغير في العلاقات؛ كالتغير في حالة وجود العدو والتهديد المشترك، وهو ما تمثل بتراجع كل من الاتحاد السوفييتي والعراق كتهديد مشترك لكل من إسرائيل وإيران، وكذلك نقطة التحوّل باتجاه “الحرب على الإرهاب” بعد أحداث 11 أيلول، التي مهّدت لوجود المصالح المشتركة والتنسيق بين إيران والولايات المتحدة في غزو أفغانستان والعراق، والجدير بالملاحظة هنا أن الديناميكيات /المحرّكات ذاتها تكرّرت لاحقاً عندما شهدنا الصعود الكبير لتنظيم “داعش” مثلاً، الأمر الذي مهّد من جديد للتنسيق الأمريكي الإيراني المشترك في أجواء إدارة أوباما التي وقّعت الاتفاق النووي، وعملية التوافق بين أمريكا وإيران في الساحة العراقية، وإطلاق يد إيران في العراق والمشرق العربي، وما نشهده اليوم أيضاً من اندفاع بعض الدول العربية إلى تعزيز علاقاتها مع “إسرائيل”.
وفي السياق ذاته أطلقت الثورة الإيرانية مع مجيئها شعارات أيديولوجية جاذبة، كنصرة المظلومين والمستضعفين، عزّزها ما ظهر من توترٍ مع الولايات المتحدة، وقطعٍ للعلاقات الدبلوماسية مع “إسرائيل”، وتحويل السفارة الإسرائيلية إلى سفارة فلسطين، وحدوث عدّة احتكاكات إيرانية مع الولايات المتحدة (أبرزها أزمة السفارة الأمريكية واحتجاز الدبلوماسيين الأمريكيين في طهران)، وذلك بالتزامن مع ممارسات ذات دلالات متناقضة؛ كالإصرار على الحرب الإيرانية العراقية، ثم لاحقاً حدوث التعاون الأمريكي الإيراني في العراق وأفغانستان، الأمر الذي أثار جدلاً حول حقيقة تعاملات النظام الإيراني مع الولايات المتحدة و ”إسرائيل”، وديناميكيات العلاقة بينهما، مع ظهور بعض المحاولات لاختزال توصيف العلاقة بتوصيفات بسيطة؛ كالعداء، أو التحالف السرّيّ، أو التبعية، وهو ما بات يُعرف بـ “نظرية المؤامرة”؛ التي تفسّر أنَّ كل ما يحدث من مواجهات أمنية وعسكرية وسياسية بين الطرفين لا تعدو أن تكون تمثيليات ضمن خطة للهيمنة على العالم العربي وتقاسم النفوذ فيه (5). وفي المقابل يتحدث آخرون عن “صراع وجوديّ” حقيقيّ مستمدّ من الأيديولوجيا، وله أبعاد دينية تعيق إيران وإسرائيل تحديدًا من الوصول إلى حلٍّ شامل لإنهاء حالة التوتر المعلن المستمرّ بينهما (6).
لقد أدّت خسارة العراق في حرب الخليج الثانية إلى إضعاف التهديد العراقي المشترك الذي دفع إيران وإسرائيل لبناء تحالفٍ سريٍّ تعاونيٍّ، وإيجاد مصالح استراتيجية مشتركة بينهما، وسرعان ما وجدت إيران وإسرائيل نفسيهما على طرفين متقابلين؛ كلٌّ منهما يسعى لأن يكون صاحب الدور الأهم في هندسة النظام المستقبلي في المنطقة. ويبدو أنَّ احتلال العراق (العدو التقليدي لكل من إيران و ”إسرائيل”)، والحاجة إلى بناء نظام جديد في المنطقة؛ قد جعلت من إيران في أعين “إسرائيل” قوّةً إقليميّة يمكن أن تهددها مستقبلاً(7)، إلى جانب أنه وفّر فرصةً جديّةً لإيران قد تمكّنها من استعادة دورها الإقليمي الذي فقدته نتيجة سقوط الشاه وتبنّي منهج “تصدير الثورة”، وخسارتها في الحرب مع العرق في حرب الثمانية سنوات، ويبدو أنها وجدت في تحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة ودول “مجلس التعاون الخليجي” مساراً واضحاً يمكن أن يؤدي إلى تحقيق هدفها القيادي الإقليمي في المنطقة، ولاسيّما في منطقة الخليج العربي(8)، وهو ما عبّرت عنه سياسة “الحياد الإيجابي” التي اتّبعتها طهران خلال الحرب التي شنّها التحالف على العراق لإخراجه من الكويت(9)؛ والتي لاقت ترحيبًا حارًّا من الدول الخليجيّة والولايات المتحدة الأمريكية على حدٍّ سواء.
كما حاولت بناء تركيبة أمنية تشاركيّة في منطقة الخليج العربي تمكّنها من جعل دول “مجلس التعاون الخليجي” أقل اعتماداً على الولايات المتحدة الأمريكية، لتمكين هيمنتها على منطقة الخليج ولإزالة كلّ العوائق التي تقف في طريق مشروعها التوسعي. لكنّ تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في منطقة الخليج، قد أدى عملياً إلى فرض بعض التحديات على تلك المساعي الإيرانية والتي تتطلب التنسيق مع أمريكا حصرًا، حيث مثّل الوجود الأمريكي حاجزاً كبيرًا أمام رغبتها في التمدّد والتوسّع في منطقة الخليج بعد العراق وسوريا ولبنان واليمن…
الختام
شكّل صعود الولايات المتحدة لهرم النظام العالمي كقوى عالمية عظمى وحيدة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي تحوُّلاً استراتيجياً للسياسة الأمريكية في طريقة تعاملها مع القضايا الإقليمية المستجدة في الشرق الأوسط، وفي طبيعة علاقتها مع إيران . استغلت إيران ذلك في اتخاذها موقفاً سياسياً استراتيجياً مركباً تجاه الغزو الأمريكي ، ساعدت بالعمل على تحقيق نصر أمريكي للتخلص من النظام العراقي المعادي لها، مع الحرص على التعاون مع الولايات المتحدة واسرائيل على الساحة العراقية بما يؤمن لها تحقيق مصالحها الاستراتيجية وتوسيع نفوذها في كلا البلدان المجاورة ؛ في العراق والمنطقة العربية واحكام السيطرة في ظل التواجد الامريكي على الارض العراقية وسوريا ولبنان واخيرا اليمن ، واخطر ما في هذا التوافق الاستراتيجي بين هذه الدول الثلاثة هو مؤامرة التغيير الديمكرافي التي تجري في دويلات الخليج العربية واثارها على المنطقة مستقبلا .
وقد أدّى تقهقر العراق بعد حرب الخليج الثانية إلى حدوث فراغ إقليمي جعل كلّاً من إيران و ”اسرائيل” تتنافسان على ملء هذا الفراغ، ووجدت “إسرائيل” في إيران قوةً إقليميةً صاعدة يمكن أن تتمدد مستقبلاً ضمن مجالها الحيوي، وهو ما قد يهدد بدوره التفوق الإقليمي الإسرائيلي في المنطقة، هذا إلى جانب أنه قد وفّر فرصة لإيران لكي تستعيد الدور الإقليمي. مستغلة حالة الفراغ الأمني والسياسي في العراق من أجل ترسيخ نفوذها فيه، ومنع نشوء عراق قوي من جديد . وتقسيم العراق والقضاء عليه كدولة عربية مركزية لها هيبته التاريخية وهيبته الاستراتيجية ، وتفتيته والغاءه من المنظومة الاستراتيجية ، هدف لإيران وامريكا واسرائيل ، ولن تفوت الفرصة اي من هذه الدول الثلاثة الذي يبرز حقيقة التعاون والتنسيق الامريكية الايرانية الاسرائيلية في اجمل صوره على ارض الواقع رغم ما شهدته العلاقة من عوامل جذب ودفع ، ولا يغرنك المسرحيات والخطابات الاعلامية كل الموت لأمريكا واسرائيل .
المراجع
- فاطمة الصمادي، العلاقات الإيرانية ـ الأمريكية: قطيعة لا تمنع الصفقات، في محمد الأحمري (مقدماً)، العلاقات العربية ـ الإيرانية في منطقة الخليج، منتدى العلاقات العربية والدولية، قطر، الطبعة الأولى، 2015، ص125.
- ظافر ناظم سلمان، أثر النظام الدولي الجديد على السياسات الخارجية لدول العالم الثالث, دراسة في سياسة إيران الإقليمية منذ عام 1989، أطروحة دكتوراه (غير منشورة)، كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد، 1998، ص151.
- لقد أكد عدد من النخبة الإيرانية أن الدعوة لإعادة العلاقات السياسية مع الولايات المتحدة أو عدم إعادتها, ليست دليلاً على الالتزام بأسس ومبادئ الثورة الإيرانية, وإنما يتعلق ذلك بتحقق المصلحة الوطنية في وقت معين, بحيث يمكن أن تكون المطالبة بإعادة هذه العلاقات ضد المصلحة الوطنية بينما تكون في وقت آخر عين هذه المصلحة. للمزيد انظر: محمد السعيد عبد المؤمن، العلاقات مع أمريكا بين خامنئي ورفسنجاني، مجلة مختارات إيرانية، العدد 142، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، مايو 2012، ص61.
- ياسر عبد الحسين، السياسة الخارجية الإيرانية, مستقبل السياسة في عهد الرئيس حسن روحاني، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2015، ص 208 : 210.
مراجع تموج العلاقات وسط أحداث اقليمة
- يُنظر مثلاً: مقال دلائل التحالف الأمريكي الإيراني السري ضد العرب، موقع بوابتي 30/01/2016، و”كاتب تركي: مؤامرة أمريكية إيرانية على دول المنطقة وأمريكا لم ولن تحارب إيران“، ترك برس
- مقال: عريب الرنتاوي، إيران وإسرائيل… محاولة للفهم، الدستور، 23/02/2020.
- يقول تريتا بارزي: إن “الخوف الإسرائيلي تعزّز بعد شروع إيران في برنامج لتطوير صواريخ بالستية بعيدة المدى، قادرة على ضرب “إسرائيل”، إضافة إلى استئناف إيران بوتيرة بطيئة برنامج الطاقة النووية؛ الذي كان بدأه الشاه كان أيضاً محل قلق بالنسبة لإسرائيل”. حلف المصالح المشتركة، مرجع سابق: ص75.
- وهو ما جاء على لســان الرئيس الإيراني هاشــمي رفسنجاني سريعاً عقب حرب الخليج الثانية، إذ يقــول: “إن إيران هــي البلــد الوحيد الــذي يمكن للعالــم الاعتماد عليه للدفاع عن أمــن منطقة الخليج ومواردها النفطية”، وهو ربما يؤكد تطلعات إيران للعب دور مهم في المنطقة. يُنظر: د. ضيف الله الضيعان، العلاقات الأمريكية الإيرانية ــــ الوجه الآخر: ص12.
- حيث رفضت إيران طلبات العراق بشــأن الحصــول علــى تســهيلات إيرانية فــي مجال تصدير النفط العراقي وتســويقه، كما رفضت أيضاً تســليم طائرات مدنية عراقية أرسلها العراق لإيران عشية بدء الهجوم الأمريكي بغرض حمايتها من القصف، كما سمحت لسلاح الجو الأمريكي باستخدام الأجواء الإيرانية. حلف المصالح المشتركة، مرجع سابق: ص76. ويُنظر أيضاً:
R.K. Ramazani, “Move Iran Outside the Axis” Christian Science Monitor, August19, 2002
