بقلم حسان القطب
مدير المركز اللبناني للابحاث والاستشارات
لماذا قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الان، (إن روسيا تريد إنهاء الحرب في أوكرانيا، وإن ذلك سيتضمن حتماً حلاً دبلوماسياً)….
إذ إن الهجوم الروسي على اوكرانيا عند بدايته في شهر شباط/فبراير من هذا العام ..اطلق عليه الكرملين، اسم (العملية الخاصة في اوكرانيا).. ورفض الاعتراف بأنها اعلان حرب، باعتبار ان الاهداف الروسية من اطلاق العملية الخاصة هي محدودة، وتتمثل في اسقاط النظام الفاشي والنازي في كييف، وحماية الاقلية الروسية في اوكرانيا وترسيخ استقلال المقاطعات ذات الوجود الروسي فيها ومن ثم ضمها الى الاتحاد الروسي لاحقاً.. وطالب حينها الكرملين، الجيش الاوكراني بالانقلاب على سلطة كييف ووعد بالتفاهم مع قيادة الجيش على تسوية سياسية..
وترسيخاً لمحدودية العملية العسكرية، اعلامياً فقط، فقد منع الكرملين الصحافة الروسية والاعلاميين الروس من التحدث عن حربٍ مفتوحة مع دولة اوكرانيا المجاورة، وطالب باستخدام مصطلح العملية العسكرية المحدودة في اوكرانيا..
العملية المحدودة، عادة ما تكون قصيرة وسريعة، وذات اهداف متواضعة، وهذا ما افتقدته العملية العسكرية الروسية، التي تجاوزت الشهر العاشر على انطلاقها، مما يعني انها طويلة الامد والمدى، كما ان التقدم الروسي داخل الاراضي الاوكرانية الذي وصل الى مشارف العاصمة كييف قبل ان يتراجع الجيش الروسي نتيجة المواجهة والمقاومة الاوكرانية العنيفة، كما تراجع لاحقاً من مناطق واسعة من تلك التي احتلها في بداية الهجوم..
لذلك لا بد من التوقف عند اسباب تراجع الرئيس بوتين عن وصف العملية بالخاصة، واعترافه بانها حرب.. كما اعلانه الاستعداد لانهاء الحرب دبلوماسياً بعدما كان يرفض سابقاً مجرد التفاوض، الا بناءً على الشروط التي وضعها والالتزام والاعتراف الدولي والاوكراني بالاهداف التي وضعها)..
- إطالة امد الحرب وتفاقم الخسائر الروسية البشرية والمادية وعجز الجيش الروسي عن حسم المعركة رغم التفوق الكمي.. على الجيش الاوكراني..
- بدأت تظهر بعض مؤشرات الخلاف على ادارة المعركة واهدافها واستخدام لغة التصعيد المتواصل والتهديد بالنووي..بين قيادة الجيش الروسي، والرئيس الروسي بوتين.. إذا ان مظاهر الفشل لا بد ان يتحملها طرف من الاطراف..
- هل الفشل سببه سوء تقدير القيادة السياسية الروسية التي لم تتوقع الدعم الدولي لدولة اوكرانيا..
- أم ان سببه عدم عدم وضوح الرؤية لدى القيادة العسكرية الروسية التي عجزت عن تقييم حجم وقدرات المقاومة العسكرية الاوكرانية سواء العسكرية او المدنية.. للهجوم الروسي .. وبالتالي فشل الجيش الروسي في ادارة المعركة وحسمها بسرعة..
- حجم الدعم الغربي المتواصل للجيش الاوكراني.. تسليحاً وتدريباً، وهذا ما لم تتوقعه القيادة الروسية السياسية والعسكرية..
- العقوبات الاميركية والغربية، التي فاقمت من الازمة الاقتصادية في روسيا..
- عدم استعداد المواطنين الروس للانخراط في التعبئة العامة التي اطلقها الكرملين مما اسس لانقسام داخلي..واظهر عدم الالتفاف الشعبي حول القيادة السياسية كما العسكرية..
- إن التهديد بدخول بيلاروسيا في الحرب الى جانب روسيا سوف يشكل عبئاً اضافياً على روسيا وجيشها.. وهي التي تعتمد على الجيش الروسي في التسليح والتدريب..
- الضغوطات الاميركية على ايران وتحجيم دور تدخلها الى جانب روسيا خاصةً بما يتعلق بتزويدها بالمسيرات.. كما تأكد للقيادة الروسية العسكرية ان التحالف مع ايران لا يشكل قيمة مضافة عسكريا وامنيا نتيجة التباين في الاهداف والاستراتيجيات.. بين الدولتين.. كما ان ايران عرضة للعقوبات الدولية وخاصة الاميركية..
- الضغط الاميركي على دولة كوريا الشمالية واتهامها بتزويد روسيا بالاسلحة مما دفع كوريا الشمالية الى الاعلان عن عدم تزويد روسيا باية ذخائر..
- ابتعاد الصين عن الانخراط الى جانب روسيا في صراعها مع الغرب على الساحة الاوكرانية.. والتفات الصين الى تسوية علاقاتها مع الولايات المتحدة.. والانتباه من التطورات المتلاحقة التي تتسارع حولها..وخاصةً الياباني منها..
- القيادة العسكرية تحمل الرئيس الروسي بوتين مسؤولية عودة المانيا الى لعب دور عسكري واقتصادي طليعي ومتقدم على الساحة الاوروبية، مع الاعلان عن تخصيص موازنة ضخمة لبناء اقوى جيش الماني في اوروبا..
- كما تحمل القيادة العسكرية الروسية الرئيس بوتين مسؤولية احياء الدور الياباني العسكري والامني، في المحيط الهاديء، وانعكاساته على الخلاف الروسي – الياباني حول الجزر اليابانية المحتلة من قبل روسيا ابان الحرب العالمية الثانية..
- كذلك تعتبر الصين ان حرب اوكرانيا وسوء تقدير القيادة الروسية للتداعيات والنتائج، قد ادخلت اليابان في سباق تسلح مع الصين وبالتالي فإن احياء الدور الياباني يخيف الصين كما روسيا..
- سباق التسلح هذا سوف يشكل عبئاً على الاقتصاد الصيني كما الروسي، وبالتالي فإن الولايات المتحدة نجحت في تعزيز شراكتها العسكرية والامنية، مع دول هامة وذات اقتصاد بالغ الاهمية والتأثير في الاقتصاد العالمي.. كما التحالف الامني والعسكري..
- تعتبر القيادة العسكرية الروسية ان قرارات بوتين قد جعلت من روسيا دولة مكشوفة امنياً نتيجة ضعف تجهيزاتها العسكرية وعدم استعدادها للحرب بالشكل المناسب وان التهديد بالسلاح النووي التكتيكي او الاستراتيجي، قد اكد ضعفها على مستوى الاسلحة التقليدية..
- وقف تصدير التكنولوجيا الغربية الى روسيا اعاد الصناعة العسكرية الروسية سنوات الى الوراء وجعلها غير قادرة على مواكبة التقدم التكنولوجي الغربي..
- إن سوء اداء الآلة الحربية الروسية في الحرب الاوكرانية سوف يؤدي الى تقليص حجم المبيعات الروسية من الاسلحة مما يضعف االاقتصاد الروسي كما عملية التطوير المستمرة والمطلوبة للاسلحة الروسية..
- جعلت الحرب الاوكرانية من الساحة الاوكرانية ميدان تجارب للاسلحة الغربية من مختلف الدول مما كبد الجيش الروسي خسائر فادحة وبالغة الخطورة..
- الاستعانة الروسية بمجندين من خارج منظومة الاتحاد الروسي تشكل خطراً على الاستقرار الروسي وانسجام مكوناته المتعددة والمتنوعة.. وتكشف ضعف القوة البشرية الروسية واستعدادها للانخراط في الحرب بناءً على طلب القيادة الروسية..
- دفعت الحرب الروسية على اوكرانيا اوروبا ودول اخرى في العالم الى البحث عن بدائل للنفط والغاز الروسي، مما يشكل تهديداً للاقتصاد الروسي الذي يعتمد على تصدير الغاز والنفط.. كما الاسلحة..
الخلاصة..
اعتراف الرئيس الروسي، بان ما يجري في اوكرانيا هو حربٍ مفتوحة وطويلة الامد..هو اعتراف غير مباشر بتأثيرها السلبي على الداخل الروسي عسكرياً واقتصادياً وبشرياً، واعلان الاستعداد لانهائها، مجرد محاولة للاحتفاظ باقل المكاسب الممكنة حتى لا يفقد المزيد من الاراضي التي احتلها كما خسر مدينة خيرسون الاستراتيجية.. وفشله في احتلال مدينة باخموت، وحماية خطوط امداده عبر جسر القوم.. كما انها تؤكد الضغوط التي تمارسها القيادة العسكرية الروسية لوقف هذه الحرب، حتى لا تتحمل المزيد من الخسائر البشرية والمادية، وانكشاف حجم ضعف آلتها العسكرية، وحتى تواضع خبراتها في قيادة حرب واسعة النطاق ولو كانت على مستوى جبهة اوكرانيا فقط..ومن الملاحظ ان موقف بوتين هذا جاء عقب اجتماعه بالجنرالات الروس في القيادة العسكرية وتوجهه لاجراء تغييرات في القيادة العسكرية الروسية، مما يعني تجميلها مسؤولية الفشل او العجز والضعف.. وبالتالي يقوم بحماية نفسه من اي مسؤولية عما جرى خلال الحرب.. وهذا ما لم تقبل به القيادة العسكرية الروسية..
نحن امام مرحلة جديدة..قد يعلن فيها بوتين مواقف اخرى لتسريع الحل، وتقديم تنازلات جديدة.. لوقف الحرب، وهو ينتظر ضغوطات اميركية على اوكرانيا لاجراء تسوية وسطية تعطي روسيا القليل ولا تخسر بموجبها اوكرانيا الكثير.. لحفظ ما وجه الطرفين.. ولكن الاهم ان محاولة بوتين منع توسع حلف الناتو قد فشلت والحلف تمدد وتوسع بشكل غير مسبوق، كما قال وزير خارجيته لافروف.. ومحاولة اردوغان المساهمة الى جانب بوتين في منع فنلندا والسويد من الانضمام الى حلف الناتو لن تنجح..؟؟؟
لكل هذه الاسباب يمكن القول ان بوتين قد بدأ عملية التراجع، واولها كان الاعتراف بالحرب على اوكرانيا..