شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

تفعيل منظومة القيم والتكامل الأمني والاقتصادي والاجتماعي مدخل الاستقرار

للمؤسسات الدينية دور فاعل في تحصين المجتمع من آفتي التطرف والمخدِّرات

للمفتي المنتظر دور هام في إطلاق جبهة أخلاقيّة

رادعة للجريمة

تفشّي المخدِّرات عامل فاعل في توحش الجريمة واستشرائها

“مركز فرصة” بات أولوية لتنظيم الدفاع عن الشمال ضدّ المخدّرات

أحمد الأيوبي

مناسبة هذا المقال ما أثاره الاعتداء على جارنا الشاب عبد الله عيسى ووقوع هذه الجريمة على مرأى أهل الحيّ، وهو رسالة استنكار وتضامن مع عبد الله وعائلته، ومع ضحايا هذه الجرائم، ودعوة للتفكير في الأسباب والوسائل لحماية مجتمعنا من تسارع وتيرة الإجرام المتمادي.

البديل

تكشف جرائم القتل المرتكبة في طرابلس خطورة وعمق التحوّلات الاجتماعية التي تعرّضت وتتعرّض لها المدينة في تكوينها الاجتماعي وتُظهر انهياراً مرعباً في منظومة القيم الدينية وسقوطاً للوازع الأخلاقي والرادع القانوني في ظلّ انهيار مؤسسات الدولة، وتراجع قدرة القوى الأمنية على القيام بواجباتها، وشلل القضاء وهو الذي كان يعاني قبل ذلك من تسلّط السياسة على مفاصله، حتّى باتت عاصمة الشمال والكثير من المناطق اللبنانية في حالة خوف دائم، وبات الناس يتصرّفون على أنّهم يعيشون بدون الدولة.

رؤية الوزير مولوي

وموقعها في المعالجة

هذا الواقع، لا يمكن معالجته بخطة أمنية، خاصة في الظروف الراهنة، فهي لا تكفي، ولا يمكن مقاربته برمي الشتائم على القوى الأمنية أو استسهال الاتهام لوزير الداخلية بالتقصير واستمراء رميه بالمسؤولية عن كلّ الكوارث التي تقع على الأراضي اللبنانية، وخاصة في مدينة طرابلس بما أنّ الوزير بسام مولوي هو ابنها، والمسؤول عن الأمن فيها، وكثيراً ما يأخذ هذا المنحى من الخطاب اتجاه الشعبوية والإسفاف وتبرير المخالفات، فقط لاعتقاد البعض أنّ بكائياتهم وادعائهم المواجهة مع السلطة من خلال وسائل التواصل كافٍ لحلّ هذه المعضلة.

هذه الأرضية التي ينطلق منها الوزير مولوي في التأكيد على دور القيم الدينية والأخلاقية الإسلامية والمسيحية تشكِّل نقطة اجتماع لعناصر التحصين الاجتماعي وينبغي العمل على تطويرها سريعاً.

لا يمكن تخصيص

شرطي لكلّ مواطن

لا يمكن تخصيص شرطيّ لكلّ مواطن، ولا يمكن للجيش تفتيش جميع المشاة في الشارع، وحملُ المسدسات بات ظاهرة، خاصة تلك الرخيصة تركية الصنع، فمعها تطوّرت المواجهة والإشكالات، فلم تعد المسألة تنتهي بضربة كفّ أو عصا أو حتى سكين، بل أصبح المسدس هو سيّد الموقف الآن، وبات هناك من يعتدي ويختار أن يعاقب من يواجهه برصاصة أو أكثر بالقدم إذا كان المشكل محدوداً، وفي الرأس أو الصدر إذا حميت المواجهة، وهذا تطوّر خطر ينذر بارتفاع نسب القتل بشكل كبير، يستوجب الحزم الأمني والتحصين الاجتماعي، وبدون ذلك سيبقى عامل الأمن قاصراً عن لجم الجرائم.

سطحية التفكير

وجزئية المعالجات

مخاطر غياب الوازع الديني وانهيار منظومة القيم

جريمة قتل الشاب عيسى نموذج عن الجريمة المتوحشة

لا توحي ردود الفعل الصادرة عقب وقوع أيّ جريمة في طرابلس برغبة أغلب المعنيين بإجراء مقاربةٍ وصريحة وجريئة للحقيقة وللأسباب العميقة لما يجري في المدينة، ويمكن هنا وضع عناوين أساسية يجب الوقوف عندها، وأهمّها:

أنّ غياب الوازع الديني والأخلاقي عن حياة الشباب يعتبر العامل الأخطر من بين كلّ عوامل انتشار الجريمة، فبسقوطه يصبح كلّ شيءٍ مباحاً وتسقط بسقوطه كلّ الحسابات في الدنيا والآخرة، ويصبح السلب والنشل وحتى القتل مسألة متعلِّقة بالقدرة على الفعل، خاصة مع تمادي انهيار مؤسسات الدولة، ووجود الكثير من الأغطية التي تحمي القتلة والمجرمين، حتى بات هؤلاء يأمنون من العقاب ويوقنون بالنجاة من المحاسبة.

المخدِّرات

والتوحّش في القتل

شاهد اللبنانيون ومنهم الطرابلسيون وقوع جرائم مرعبة، كان منها قتل الأب لابنه، وقتل الحفيد لجدته وقتل الأخ لأخيه.. هذا فضلاً عن التصفيات التي تجري في الشوارع، وقدرة البعض على القتل من مسافة صفر في وضح النهار، لأسباب تافهة وبوسائل وطرق شديدة البشاعة، وجاءت هذه الوقائع لتشي بأنّ شرائح من المجتمع قد تحوّلت وحوشاً منفلتة، بسبب خروجها من منظومة القيم الدينية ولجوئها إلى عالم الانحراف والمخدِّرات بأبعاده المختلفة.

لذلك، فإنّ القائمين على المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية، ينبغي أن يدركوا أنّ لهم دوراً حاسماً في استعادة العافية الاجتماعية، ووقف انهيار القيم ومعها المجتمع كلّه، وعلى ما تبقّى من الدولة أن تدرك أنّ هناك ضرورة لاحترام هذه القيم ولتأكيد  دور المؤسسات الدينية في هذا المجال، لأنّ الخروج عليها لن يكون في اتجاه “التطوير الاجتماعي” بل سيأخذ شرائح واسعة من المجتمع نحو الفوضى والعنف، وهذا الأمر يدركه وزير الداخلية بسام مولوي الذي يعطي هذا الجانب في عمله وخطابه حيّزاً كبيراً، سواء في مقارباته للشأن الاجتماعي، أو في تصدّيه لحملات الشذوذ عن الفطرة والأخلاق.

العدائية مع الدين تواطؤ مع الجريمة

وعلى هامش هذا النقاش، يمكن القول إنّ المساعي التي تقوم بها لبعض الجمعيات والنواب لفرض قانون موحد للأحوال الشخصية، تحمل عناوينه عدائية مكشوفة للدين الإسلامي، لا يمكن أن يمرّ، بعد أن أثبتت الوقائع أنّ علاج بعض المشاكل في الأسرة والمجتمع لا يكون بطروحات “كفى” بل يكون بالعمل على تعزيز الإرشاد الأسري والاجتماعي والسعي لإعلاء شأن منظومة القيم الدينية والأخلاقية، وليس تدميرها وتحطيمها.

دور آفة المخدِّرات في نشر الجريمة

إنّ انتشار آفة المخدِّرات ومشتقاتها عامل أساس في تطوّر الجريمة وفي استفحالها وتوحّشها، لذلك يصبح التصدّي لها غير مرتبط فقط بما يتركه الإدمان من تداعيات على الأفراد وعائلاتهم، بل يتعلّق أيضاً بالأمن الاجتماعي ومصير وحياة الناس، ويستوجب وضع التصورات الأمنية والاجتماعية لمواجهة ناجحة مع هذه الآفة.

سبق لجمعية “المنهج” وتجمع “أمّ النور” أن أطلقت مشروعة مركز “فرصة” لعلاج وإعادة تأهيل المدمنين على آفة المخدِّرات يتضمّن برامج متكاملة تشمل التوعية وتحصين المجتمع، والعلاج بعد تأمين الموارد للتشغيل.

من الناحية العملية، يعتبر مشروع “فرصة” أولوية لطرابلس والشمال ككل، لأنّه يمثِّل المخرج العملي للمواجهة المباشرة مع آفة المخدِّرات، وينبغي إيجاد آليّة للتعاون بين جميع قوى المدينة السياسية والمدنية والاقتصادية لتأمين الموارد المطلوبة لبدء العمل في هذا المشروع الذي تتوافر فيه معظم عناصر العمل والنجاح، واعتبار “فرصة” مشروعاً عاماً في خدمة أبناء الشمال واللبنانيين جميعاً، وليس مجرّد تقوم به جمعية بعينها، وهذه هي رؤية القائمين عليه، وهذه هي طموحاتهم.

من المهم الإشارة هنا إلى أنّ الشراكة بين جمعية “المنهج” وتجمع “أمّ النور” يضع في الاعتبار أهمية العامل الديني والأخلاقي في بناء القدرات الدفاعية وخطط التوعية من هذه الآفة، وكذلك في تسريع العلاج والشفاء منها.

التكامل المطلوب

تمسّ الحاجة إلى التكامل بين المؤسسات الدينية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية والإعلامية، لمكافحة الجريمة بأسبابها العميقة، فهي لن توفِّر أحداً إذا خرجت عن السيطرة، ونحن على وشك أن “ينفلت الملقّ” وساعتها لن ينفع الندم ولا المعالجات المتأخرة الجزئية والقاصرة.

دور المفتي المنتظر في التكامل الديني والاجتماعي والأمني

على مشارف انتخابات الإفتاء في طرابلس، نستحضر ملفّ الأمن في المدينة، ليكون عنصراً فاعلاً لدى الهيئة الناخبة في مقاربتها للاختيار يوم الأحد المقبل، ولا شكّ أنّ الفيحاء تحتاج إلى “القويّ الأمين” والجريء والشجاع والقادر على كسر الحواجز وإزالة العوائق أمام تكامل أجهزة الدولة مع المؤسسة الدينية في كلّ الاتجاهات، والمدرك لمشاكل المدينة والقادر على التعاطي معها، وهو ما سيظهر في برامج المرشحين خلال الساعات المقبلة، وقد بات لكلّ مرشّح صفاته وسقطت الكثير من الأوهام حول البعض وانكشفت الحقائق حول البعض الآخر، وزالت الكثير من  الالتباسات المصطنعة عن المرشح الأقرب إلى مصالح الناس والأوقاف والإفتاء.

ينتظر من المفتي الجديد أن يقوم بدور فاعل في المساعدة على مواجهة آفتي التطرف والمخدِّرات، وفي استعادة الثقة وإطلاق موجة ثمّ جبهة أخلاقية مواجهة للجريمة تحتاجها الأجهزة الأمنية لتتمكن من حفظ الأمن، بالتوازي مع مبادرات اقتصادية يقوم بها المجتمع الاقتصادي رغم صعوبة الأوضاع، فهنا مكمن القوة في التكافل والتضامن والتكامل.

شاركها.