شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

محمد فاروق الإمام

مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية

عشيّة الثورة الخمينية عام 1979، كان الشاه قد منعَ الحجاب، وشجّع البنات على التعلم، وسنّ بعض قوانين حضانة الأمهات أطفالهن، ولكنه لم يرفع يد رجال الدين وشريعتهم عن قوانين الأحوال الشخصية، وعندما استولى الخميني وعصابته من أصحاب العمائم السوداء على الحكم، بعد قتل منافسيهم، أو إبعادهم، كانت الأرض مسهّلة لاستقبال قوانينهم الظلامية: زواج القاصرات، حق الزوج بمنع زوجته من الخروج إلى العمل، حقه بالطلاق متى يشاء، بانتزاع أولاده من أمهم، بالتعدّد المريح للزوجات، بزواج “التنهيدة” المؤقت للرجال المتزوّجين، وأخيراً، إلزام المرأة بالشودر.

وبعد أربعين سنة من الثورة الخمينية ضد الإمبراطور محمد رضا بهلوي، والتي قام بها مُجاهدو خلق، واختطفها أصحاب العمائم السوداء، بتخطيط من الماسونية العالمية التي رعت خميني في باريس وأعدته ليخلف الشاه ويكون الأداة التي يدمر بها الحاقدون على الإسلام هذا الدين القويم، من آيات التدليس والكذب، بقيادة كبيرهم خميني، والذي خلفه بعد موته المعمم خامنئي.

وتعمد هؤلاء المدلسون كتابة دستور، وتأسيس أنظمة تضمن بقاء السُلطة السياسية والروحية في أيدي هذه الأرواح الشريرة، ومن ذلك تأسيسهم للحرس الثوري، كمؤسسة عسكرية مُكتملة الأركان: برًا وبحرًا، وجوًا، ويتم اختيار أفرادها، شباباً تتلمذوا على يد أصحاب العمائم السوداء، الذين يسمون أنفسهم بالمُجتهدين والفُقهاء، من محرفي ما جاء في كتاب الله، وما جاء في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمتطاولون على قامات الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، والمتمادين على أعراض أمهات المؤمنين رضوان الله وسلامه عليهن.

وأبقى هؤلاء الأبالسة على المؤسسة العسكرية التقليدية الموروثة من النظام الشاهنشاهى، وتفرع من مؤسسات الثورة الخمينية، ما يُسمى بشُرطة الآداب والاحتشام، وهي المعنية بمُراقبة ومُحاسبة أفراد الشعب الإيراني للالتزام بقواعد السلوك القويم في الحياة اليومية-الشارع والأماكن العامة.

الشرارة التي فجرت الثورة الإيرانية

ألقت شرطة الآداب والاحتشام القبض على الإيرانية، من أصول كُردية، “مهسا أمينى”، بدعوى أنها لم تلتزم بقواعد الملابس الشرعية، ويبدو أن أميني ابنة العشرينات، كغيرها من الشباب الإيراني، كان قد طفح بها الكيل، من تضييق نظام الملالي على الناس عمومًا، والنساء خصوصًا، فقام المُحققون من شُرطة الآداب بتعذيبها، حتى فقدت حياتها.

ومع انتشار الخبر في طهران، تظاهر مئات الشباب احتجاجًا على وفاة مهسا أميني. ولأن المكاييل كلها فاضت بطوائف الشعب الإيراني، فقد استمرت المُظاهرات عِدة أيام، وانضم إليها كثير من الشباب وطلبة المدارس من المراهقين من الجنسين، وسرعان ما انتشرت مظاهرات احتجاجية أخرى في المُدن الإيرانية الكُبرى- مثل أصفهان، وتبريز، ومشهد، وحتى في مدينة قُم، مركز أوكار أصحاب العمائم السوداء، وكانت التظاهرات الإيرانية الاحتجاجية رغم وسائل البطش العنيفة التي استخدمها النظام، والتي سقط فيها عدد كبير من القتلى والجرحى، في سعي حثيث من النظام الإيراني أن لا يأتي «الأربعين» على استشهاد مهسا أميني، فذكرى الأربعين للشُهداء في التقاليد الشيعية تنكأ جراحًا تاريخية لاستشهاد علي بن أبى طالب، وابنه الحُسين، كرم الله وجهيهما، ولا بُد أن التقاليد الشيعية المُخضرمة، تتذكر أن أحداثًا مُشابهة وقعت في عام 1979، هي التي أنجحت ثورة الخميني ضد النظام الشاهنشاهي للإمبراطور محمد رضا بهلوي، إلى أن اضطره إلى الهرب، واللجوء إلى مصر، حتى وافته المنية، ودُفن في مسجد الرفاعي في القاهرة.

مقتل بعض الأفراد كان سببا لتفجر الثورات في الوطن العربي

إن مقتل الفتاة الكُردية، وتداعياته الاحتجاجية العارمة في إيران، يطرح لدى عُلماء الاجتماع السياسي مُجددًا دور الفرد في التاريخ، ونحن نستذكر هنا المشاهد التالية:

1ـ موت التونسي محمد بوعزيزي حرقاً، والاحتجاجات العارمة، التي أدت إلى رحيل رأس السُلطة في تونس، زين العابدين بن علي، وهروبه لاجئًا إلى السعودية.

2ـ مصرع المصري، خالد سعيد على يد رجال الأمن المصري، وتفجيره لثورة يناير 2011، والتي كان أحد شعاراتها: كُلنا خالد سعيد، وهي التظاهرات العارمة، التي انتهت بإسقاط نظام الرئيس حُسنى مُبارك في فبراير 2011.

3ـ ومع انتفاضات شعبية عارمة مُشابهة في ليبيا، واليمن، والسودان، أدت بدورها لاقتلاع حُكام مستبدين، استحدث الإعلام العالمي لقاموسه السياسي تعبير «ثورات الربيع العربى».

ستبقى الثورة السورية أيقونة ثورات الربيع العربي

ولما كانت الثورة السورية هي أهم “ثورات الربيع العربي” إلا أن المؤامرة العالمية عليها حالت دون نجاحها حتى الآن؛ في إسقاط قاتل الشعب السوري ومدمر المدن والبلدات والقرى السورية مجرم الحرب بشار الأسد، وقد قدم الشعب السوري في سبيل ثورة الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية التي قام بها من التضحيات ما لم يقدمه أي شعب آخر في العصر الحديث، فقد قدم ما يزيد على مليون شهيد ونحو نصف مليون جريح ومعوق، وأكثر من نصف مليون بين سجين ومفقود، ونزوح ما يزيد على أربعة ملايين من بيوتهم ومدنهم داخل الأراضي السورية، وتهجير نصف الشعب السوري إلى خارج سورية.

إن مقتل مهسا أميني الإيرانية، والمصري خالد سعيد، والتونسي محمد بوعزيزى، هي مشاهد فردية، ولكن كل منها أدى إلى انتفاضات وثورات واسعة، أدت بدورها إلى تحولات مجتمعية سياسية ونفسية هائلة.

رأي علماء السياسة والاجتماع بدور الأفراد في الثورات

يقول عُلماء الاجتماع السياسي إن دور الأفراد في تِلك المشاهد، ما هو إلا الشرارة التي تؤدى إلى انفجار الديناميت، الذي هو الاحتقان الشعبي المُتراكم، الذي كان ينتظر تِلك الشرارة لكي يؤدي إلى الانفجار العظيم.

رحم الله الشُهداء الذين فجّروا ثورات شعوبهم من تونس، إلى سورية، إلى ليبيا، إلى مصر، واليمن، إلى إيران.

يقول شيخ الحقوقيين الأستاذ هيثم المالح:

“عندما يحرق الإيرانيون الأحرار منزل الدجال المرجوم الخميني، وعندما يقتلون مساعده في الجريمة رئيس المخابرات ويحرقون صور وأصنام المرجوم قاسم سليماني، فاعلم أن الثورة الإيرانية تسير في الاتجاه الصحيح، ويتراءى النصر على الطغمة الفاشية أمام الأعين، وعندها سيعم السلام”.

شاركها.