مبادرات العقيد البقاعي تستبق تداعيات الانهيار وتسعى لتفكيك عناصر التوتر

أحمد الأيوبي
مع تفاقم الأزمات وتوسّع دوائر الانهيار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في البلد، تتوجّه الأعين إلى طرابلس وكأنّها مصدر التفجير المتوقع وموطن المخاطر التي ستزلزل لبنان كلّما اقتربنا من قعر الكارثة التي نغرق فيها، وهذا يرتِّب أعباء إضافية على عاصمة لبنان الثانية، لأنّها تعاني دون سواها من المدن والمناطق اجتماع المصائب عليها من جميع الجهات، فلا شيء يشفع لأهلها في شؤون حياتهم، وهم المتركون لمصيرهم المحاصرون في لقمة عيشهم، والمهدَّدون بمشتقبلهم.
تشهد طرابلس بين الحين والآخر اخبارات للأمن والاستقرار، فتقع جرائم قتل وسلب وسرقة وتحصل اشتباكات الثأر وصراعات الزعران في الشوارع، وتتعرّض المؤسّسات الاقتصادية للأذى العام بسبب هذا المناخ السيء.. والحقيقة أنّ حجم الكارثة النازلة في المدينة، كان يفترض أن يتسبّب بانفجارات أكثر عنفاً ودموية مما حصل حتى الآن.

عوامل أساسية حفظت الأمن الاجتماعي في طرابلس، ليس من بينها إجراءات الحكومة الاقتصادية والاجتماعية، ولا تدخّل السياسيين الأثرياء للتخفيف من وطأة الأزمة، بل هو تكافل أهلها فيما بينهم، وخاصة إمداد المغتربين لذويهم بالمساندة والدعم، مما خفّف من وطأة الانهيار، وكذلك قيام المجتمع الأهلي باستهضاض قدراته من خلال بعض الجمعيات الرائدة والفاعلة.
لكنّ الأهمّ في كلّ هذا المشهد، هو دور الجيش اللبناني في حفظ الأمن الاجتماعي، وعدم الاكتفاء بالدور العسكري والأمني التقليدي، والاستجابة لواقع الحال في طرابلس خصوصاً وفي جميع المناطق اللبنانية.

ما يقوم به الجيش في طرابلس، وخاصة المبادرات التي يطلقها رئيس فرع مخابرات الشمال العقيد نزيه البقاعي، بالإضافة إلى ضباط الألوية المنتشرة في المدينة، هو العامل الأساس في تهدئة الاحتقانات الخطرة التي تحصل في المناطق الشعبية، وفي نزع فتائل التفجير الاجتماعي، وفي تشجيع المبادرات التنموية في حدود الحركة المتاحة في العلاقات المحلية والوطنية وفي تشجيع التقارب مع الجهات العربية والدولية المانحة، من أجل تأمين ما يمكن تأمينه لتعزيز الأمن الصحي والغذائي وتوفير موارد الطاقة لمنع العتمة والعطش عن المدينة.
لا يوفر العقيد البقاعي جهداً للمساهمة في تحريك المشاريع التنموية، رغم وجود عوائق عملية، مثل الأزمات التي ضربت بلدية طرابلس، وحالت دون تنفيذ مشاريع منتهية وجاهزة، مثل سوق الخضار الحديث، الذي بات قديماً مع مرور سنوات عدة على إنشائه وتجهيزه للعمل.


تُسهم الجولات التي قام ويقوم بها العقيد البقاعي على مؤسسات المجتمع المدني والأهلي، والشراكة الحقيقية القائمة مع هذه المؤسسات، وخاصة غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس والشمال ونقابات المهن الحرة، وزيارته الرابطة الثقافية برمزيتها العريقة ودورها الذي تتوق المدينة إلى استعادته بتألقه وازدهاره، وبالجهود التي يبذلها الزميل رامز الفري في رئاستها ضمن الإمكانات المتوفرة والظروف القاهرة المسيطرة.

في مواجهة الإرهاب، رسمت قيادة الجيش الحدود واضحةً: لا تساهل في حفظ الأمن، ولا ظلم في التعامل مع الملفات، وفتح باب الحوار لاحتواء عوامل انزلاق بعض الشباب إلى دائرة التطرّف، فكان الحوار مع دار الفتوى بانفتاح كامل من سماحة المفتي الشيخ محمد إمام، وهذا ما أنتج المعادلة التي رفعها قائد الجيش العماد جوزاف عون بأنّ طرابلس ليست قندهار وأنّ المخدِّرات أخطر من الإرهاب، وكان خير من ينفِّذ هذه السياسة العقيد البقاعي بهدوئه وتساميه عن الصغائر وحكمته في مقاربة الواقع الاجتماعي والإنساني في المدينة، وفي احتواء عناصر الخلل في الأمن الاجتماعي.
