شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

محمد فاروق الإمام

مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية

“هتف المتظاهرون في سوق طهران للحواسيب المليء بالمراهقين من الجنسين وهم يرتدون اللباس الأسود ويلطمون صدورهم، والحزن والغضب يكسو وجوههم هتفوا: “حرية، حرية، حرية! سنقتله، سنقتله، سنقتل من قتل أختنا”.

وتحدى عشرات الآلاف من الإيرانيين في مختلف أنحاء البلاد كتائب قوات الأمن بالتظاهر والاحتجاج ضد نظام أهل العمائم السوداء، مع مضي 40 يوماً على وفاة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق.

وفي مدينة شيراز الإيرانية وسط البلاد، قتل ما لا يقل عن 15 شخصاً في ظروف غير واضحة بعد هجوم مسلحين على ضريح، وفق وسائل إعلام حكومية، واعتقل اثنان من “اﻹرهابيين” المزعومين بينما يلاحق آخر، في مسرحية مفبركة باهتة قام بها رجال أمن نظام العمائم السوداء، كما كان يحدث في بلداننا المبتلية بمثل هذا النظام الخميني الظلامي.

وتشهد إيران موجة احتجاجات من بين الأوسع منذ الثورة الخمينية عام 1979 تفجرت إثر وفاة مهسا أميني (22 عاما) في 16 أيلول/سبتمبر عقب توقيفها لدى شرطة الأخلاق.

ورد النظام بقيادة المرشد الأعلى للجمهورية آية الله علي خامنئي (83 عاما) بحملة قمع أوقعت أكثر من 170 قتيلا وفق منظمة غير حكومية، ناهيك عن آلاف الموقوفين تم توجيه الاتهام لألف منهم، ويواجه المتّهمون في حال إدانتهم عقوبات تصل إلى الإعدام وفق قوانين الجمهورية الخمينية.

وفي حين لا ترد مؤشرات تدل على أن الحركة آخذة في الانحسار، تشكّل مراسم ذكرى أربعين القتلى مناسبات لانطلاق احتجاجات جديدة.

وتستمر هذه التظاهرات منذ أسابيع إثر وفاة أميني على يد أمن النظام بعد اعتقالها، والتي تحدت أصحاب العمائم السوداء ودعت لثورة على أصحاب هذه العمائم الظلاميين، وشاهدنا كما شاهد الجميع عبر وسائل التواصل كيف يلاحق الشباب والمراهقين من الجنسين أصحاب هذه العمائم ويلقون بعمائمهم إلى الأرض في سخرية منها ومن لابسيها.

وسار الإيرانيون ومعظمهم من الأكراد الإيرانيين القاطنين في بلدة سقز غربي إيران مسقط رأس أميني، ساروا لأميال على الطرق السريعة وعبر الحقول للوصول إلى مكان دفنها، إذ عمدت قوات النظام إلى إغلاق أو تقييد حركة مرور المركبات وهددت السكان بإطلاق النار على من يواصل المسير.

ولم يقتصر الأمر على نزول المراهقين إلى أسواق وساحات وشوارع المدن الإيرانية، فقد نزل كذلك الأطباء وأطباء الأسنان إلى شوارع طهران تنديداً بمقتل أميني وباحتجاز زميل لهم من القطاع الطبي قبل أن تطاردهم قوات إنفاذ النظام مطلقة الغاز المسيل للدموع أو الرشقات النارية، وفق لقطات منشورة على الإنترنت. وامتلأ مركز تسوق في ميدان فالي آسر وسط طهران بالمتظاهرين الشباب والمراهقين من الجنسين، وكذلك السوق الكبيرة التقليدية التي كانت ذات يوم مركزاً للقوة التجارية.

وأضربت النقابات العمالية في مجمل البلاد، وأضرب العمال في مصفاة طهران، كما أضرب أصحاب المتاجر في المناطق التجارية بمدن عدة، بما في ذلك طهران وشيراز وأراك، كما نظم العمال في بورصة تبريز توقفاً عن العمل للاحتجاج على حالة أسواق المال التي تتهاوى.

وقبل الثورة الخمينية عام 1979 التي قادت إلى تأسيس نظام حكم أصحاب العمائم في طهران، اتسم الاحتفال بـ”أربعينيات” قتلى الاحتجاجات بالتظاهر السياسي الذي قوبل بدوره بإطلاق النار وسقوط قتلى، تلته احتجاجات أخرى بعد 40 يوماً في دورات راكمت الزخم وأفضت إلى سقوط النظام الملكي في البلاد.

ويتوقع المحللون مزيداً من الاضطرابات في الأيام المقبلة، إذ سيحيي المتظاهرون أيضاً ذكرى مرور 40 يوماً على وفاة القاصرتين “نيكا شكارامي وسارينا إسماعيل زاده”، وهما شابتان قتلتا على أيدي قوات إنفاذ النظام.

وتجاهلت وسائل الإعلام الحكومية احتجاجات المراهقين الإيرانيين والمتعاطفين معهم من مختلف فئات الشعب، حتى مع انتشار لقطات مأساوية من الاضطرابات العارمة في الإنترنت وقنوات التلفزيون الفضائية المعارضة، ونشر حالة غضب الشارع الإيراني والحرائق التي أتت على الكثير من دور الحكومة والبنوك ومراكز الأمن، وإحراق صور وتهديم تماثيل الخميني والخامنئي.

ورد النظام على الاحتجاجات بعنف مدروس، وقتل في أعمال العنف ما لا يقل عن 252 متظاهراً من بينهم 36 قاصراً، واعتقل ما لا يقل عن 13535 شخصاً، وفقاً لوكالة “هرانا”، وهي مجموعة لرصد حقوق الإنسان.

وألقى النظام باللائمة كالعادة على محرضين خارجيين في إثارة الاضطرابات وتعهد باتخاذ إجراءات قانونية ضد “وسائل إعلام معادية” في المملكة المتحدة لدعمها “الإرهاب” على زعم النظام الخميني، الذي ألقى باللائمة على شبكة التلفزيون الإيرانية الدولية الشعبية المدعومة من السعودية، وكذلك “بي بي سي” الفارسية وتلفزيون مانوتو، ومقارها جميعاً في لندن.

وكتبت صحيفة “جافان” المرتبطة بالحرس الثوري إن”المملكة المتحدة وإمبراطورية الأكاذيب بأكملها في لندن تزرع الفوضى وتنظم حرباً نفسية” للحفاظ على استمرار الاحتجاجات.

ويعاني النظام الإيراني، رغم حرصه على الظهور في هيئة القوي المتحكّم، من أزماتٍ ومشكلاتٍ داخلية عميقة الجذور تهدّد كيانه؛ يحاول التغلّب عليها، أو إرجاء تَفَجُّرها على الأقل، بأكثر أساليب القمع وحشية، وهو يستغلّ المعادلات الإقليمية والدولية، وظروف الاستقطاب الناجمة عن الحرب الروسية على أوكرانيا، واحتمالات تصاعدها واتّساع نطاقها، فالنظام المذكور، على الصعيد البنيوي الخاص به، يعاني من التناقضات الداخلية بين أجنحة الحكم المتنافسة والتيارات المتشدّدة والإصلاحية، أما على الصعيد الاقتصادي الاجتماعي، فهو يعاني من أوضاع اقتصادية سيئة، نتيجة العقوبات الغربية، وتكاليف الحروب التوسّعية التي يشنها على مختلف الجبهات في العراق وسورية واليمن ولبنان. كما يواجه تنامي التذمّر بين صفوف الشباب والنساء من مختلف المكونات المجتمعية الإيرانية، وذلك نتيجة البون الشاسع بين تطلعات الإيرانيين والإيرانيات، والسقف الذي تحدّده القواعد والإجراءات التي تتمحور بصورة أساسية حول أولوية حماية النظام واستمراريته، وهذه الأخيرة تشمل اختيار المرشّحين للانتخابات على جميع المستويات، وتنظيم حملات التجييش والإثارة والاحتجاجات المضادّة، وتسويق الأضاليل عبر مختلف وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي والقنوات المجتمعية، واستخدام المؤسسات الدينية لشرعنة سياساته وممارساته.

بالإضافة إلى ذلك، تسبّبت سياسات النظام في التعامل مع القضايا القومية الخاصة بالمكوّنات غير الفارسية من حين إلى آخر في حدوث انتفاضات في مختلف المناطق الإيرانية، خصوصا في منطقة كردستان والأحواز (عربستان وبلوشستان)؛ وهي انتفاضات تهدّد، في حال تفاعلها مع مطالب سائر الإيرانيين، وتحولها إلى مد شعبي عام، وجود النظام نفسه، وهو الأمر الذي لم يحصل نتيجة اعتماد القمع الوحشي في عمليات وأد تلك الاحتجاجات، هذا إلى جانب الأساليب الاستمالية لتمزيق الصفوف.

ومع حلول الظلام في المدن الإيرانية تبدأ حاويات القمامة وعجلات السيارات وسط طهران بالاحتراق، وتتحول شوارع بعض الأحياء إلى معارك بالحجارة بين قوات الأمن والمواطنين.

وبالرغم من الرد العنيف من رجال أمن النظام فإن المراهقين والشباب من الجنسين يتحدون بكل شجاعة وإصرار رجال الباسيج وعناصر الحرس الثوري والشرطة ورجال الأمن، يتحدونهم بصدورهم العارية، في موقف ثابت وشجاع لإسقاط هذه الثلة الحاكمة من أصحاب العمائم السوداء، الذين نهبوا ثروات البلاد وأفقروا العباد وفرضوا عليهم ديناً واعتقادات لا صلة لها بالإسلام الذي توارثوه عن الآباء والأجداد، في كذب صريح وتدجيل مفضوح وعنصرية بغيضة ومقيتة، وتدخل سافر ومقيت في شؤون دول الجوار بلا أي مبرر، إلا السعي لإقامة امبراطورية فارسية تستهدف دين وأخلاق وقيم دول الجوار في إهدار للمال العام لا مبرر له، وكان الأحق أن ينفق هذا المال في إسعاد ورفاه الشعب الإيراني الذي يعيش أكثر من نصفه تحت خط الفقر.    

شاركها.