محمد فاروق الإمام
مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية
الطبقة الحاكمة في إيران تنقسم إلى فريقين الأول فريق المعتدلين والثاني فريق المتشددين، وهذا في ظاهر الأمر وحيال العلاقات مع الدول، والتجاذبات التي لابد من حدوثها بين مختلف دول العالم، من حيث المكانة والقوة والتأثير والجغرافيا والمصالح.
وهذان الفريقان لا يختلفان من حيث التعامل مع دول الجوار العربية السنيّة، فهما متفقان على الطعن في معتقدها وتشويه دينها، والطعن في قدسية قبلتها “بيت الله الحرام” وانكار وجود “بيت المقدس” وما يمثله من رمزية للعرب والمسلمين، والطعن بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والطعن بشرف وعرض زوجاته، وتدمير هذه الدول وتقسيمها وتفتيتها، وذبح وقتل وتهجير شعوبها بكل الوسائل المتاحة والممكنة، والتعاون مع كل من يشاركها هذا الاتجاه من دول العالم وفي مقدمتها دولة العدو الصهيوني ودولة روسيا التي تناصب المسلمين السنة العداء، رغم دعاويها الكاذبة القائمة على النفاق والتقية، حيث تقام في كل المدن الإيرانية الكنس اليهودية والكنائس النصرانية والمعابد البوذية، وممنوع على أهل السنة أن يقام لهم مسجداً واحداً في كل الجغرافيا الإيرانية، ولعلَّ ما تقوم به ميليشياتها الرافضية التي شكلتها ومولتها وسلحتها ودفعت بها إلى سورية والعراق ولبنان واليمن من ذبح وتنكيل وتهجير لأهل السنة في هذه البلدان، وتغيير الديمغرافيا فيها لصالح هذه الميليشيات التي أدخلتها إلى هذه البلدان تحت شعار زائف “الإرهاب” وهي صانعة الإرهاب، فهي من صنعت داعش وأيدت الإرهابي الأول مجرم الحرب بشار الأسد وحالت مع حلفائها دون سقوطه، وأدخلت عملاءها من خونة العراق إلى بغداد ليسهلوا احتلالها من قبل القوات الأمريكية، ويقطفوا ثمرة هذا الاحتلال وسرقة ثروات العراق، وطحن شعبها تجويعاً وحصاراً وذبحاً وقتلا.
منذ نحو عشر سنوات، حين قررت إيران الشروع في تخصيب اليورانيوم للمضي في برنامجها النووي، ولجأت إلى ذلك بعدما رفضت الدول الغربية تزويدها بالوقود النووي.
وكانت إيران قد بدأت برنامجها النووي لاستخدام الطاقة في الأغراض السلمية، قبل الثورة بالاتفاق مع بعض الشركات الألمانية، ولكن قيام الثورة الخمينية عام 1979 أوقف المشروع، ودفع الألمان إلى التراجع عن الاتفاق، فدخلت موسكو على الخط لمساعدة إيران في بناء المفاعلات الذرية التي تحتاجها إيران، وتم لها ذلك.
أما مزاج المجتمع العربي فقد كان غير مرتاح للسلوك الإيراني، وتتوجس دول الخليج؛ خاصة في السنوات الأخيرة الخوف من نوايا إيران العدوانية، سواء في موقفها المساند للنظام السوري رغم فظائعه، أو في تمدده المقلق بالعراق واليمن ولبنان الذي أثار حساسية وغضب أهل السنة.
وجهة نظر الساسة والمحللون الإيرانيون
يرى مدير المركز العربي للدراسات الإيرانية، محمد صالح صدقيان، أن الأوساط السياسية في إيران لم تتفق يوما حيال التعاطي مع الدول الغربية بشأن الملف النووي، موضحا أنه خلافا لما كان يعتقده الرئيس السابق حسن روحاني بشأن ضرورة حلحلة القضايا الشائكة على المستويين الإقليمي والدولي، فإن هناك من يعتقد في طهران بضرورة تعزيز مصادر القوة.
وأوضح صدقيان أن رؤية التيار المتشدد في إيران تستند إلى مصادر القوة في التعاطي مع الغرب، وترفض أي تنازل من أجل حلحلة القضايا الشائكة معه، مضيفا أن التيار المحافظ يعتقد أن الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لا تقبل بأقل من تفكيك البرنامجين النووي والصاروخي لضمان أمن الكيان الصهيوني.
وشدد المحلل على أن صقور التيار المحافظ في إيران يحثّون على ضرورة توظيف البرنامج النووي كونه عاملا مؤثرا في “منظومة الردع الإيرانية”، وهذا ما يفسر رغبتهم في التوصل إلى سلاح نووي لضمان أمن البلاد وتحصينها أمام التهديدات الخارجية، علماً أن إيران ليست لها أي أعداء لا من تلك الدول التي حولها أو من تلك الدول البعيدة عنها، ولكن إيران بشهوتها للتوسع والنفوذ والهوس بماضيها البعيد الذي تحلم بإعادة امبراطوريتها الفارسية، والتدخل في تلك الدول جعلت العديد منها تخشاها وتناصبها العداء.
وتعتقد هذه الشريحة أن الوصول إلى القنبلة النووية من شأنه تكريس “معادلة الرعب مع الكيان الصهيوني”، وفق صدقيان، وأن البقاء في الاتفاق النووي ومعاهدة منع الانتشار النووي لا يضمن المصالح الوطنية.
وعما إذا كانت طهران قادرة على إنتاج قنبلة نووية، جاء الرد صريحا بالإيجاب على لسان أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران والباحث في الملف النووي الإيراني، محسن جليلوند.
ويرى الباحث والأكاديمي أن المخزون الإيراني من اليورانيوم عالي التخصيب يؤهل طهران لتطوير قنبلة نووية، وذلك برفع نسبة التخصيب من 60% إلى 90%.
ووفقا للتقرير الفصلي الأخير الصادر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن مخزون طهران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% تجاوز 43 كيلوغراما، في حين أن 42 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 90% كافية لإنتاج قنبلة ذرية، كما يقول جليلوند.
وأكد الباحث الإيراني إمكانية رفع نسبة اليورانيوم المخصب من 60% إلى 90% عبر الطاقات المتوفرة في إيران.
الموقف الأمريكي والأوروبي من قضية الملف الإيراني النووي
ضبابية الموقف الأوروبي والأمريكي من قضية الملف الإيراني النووي جعل إيران تقدم على زيادة عمليات التخصيب وإضافة أجهزة طرد مركزية جديدة لتسريع عمليات التخصيب، ومع الغموض الذي يكتنف بعض المواقع النووية في إيران وعرقلة عمل المفتشين الأمميين المعنيين بمراقبة تنفيذ الاتفاق، في ظل تقارير عن وجود مواد مشعة تتجاوز نسب التخصيب المنصوص عليها في الاتفاق النووي، ومع الخطوات التصعيدية الغامضة التي تتخذها إيران للتعمية على عمليات التخصيب، كتعطيل كاميرات المراقبة في المحطات النووية، تبدو مخاوف الخليج منطقية.
أسلوب عدم الشفافية الذي تنتهجه إيران بات مبعث قلق للدول الخليجية، لا سيما أن التقارير المخابراتية تؤكد أن عمليات التخصيب وإنتاج الوقود النووي، دخلت في مراحل متقدمة، بل كاد أن يدخل في بدايات صناعة السلاح النووي، وهو إن صح، فإن توقيفه يصبح صعبا، وقد تفسر عمليات المماطلة من قبل طهران في إنفاذ المهام الرقابية لمفتشي الوكالة الدولية، أو التلكؤ في الجلوس على طاولة المفاوضات، ووضع شروط يراها أطراف الاتفاق، قبل المتأثرين بالاتفاق بأنها تعجيزية، وبأنها جزء من خطة الخداع التي تتبعها طهران لكسب الوقت والوصول إلى السلاح النووي.
الحقيقة المعاشة التي يراها الخليجيون هي أن إيران لديها سلاح أكثر فتكا تهدد به المنطقة وينخر في عظام استقرارها؛ يتمثل في تلك المليشيات الرافضية الموالية لها، والتي تدعمها بالمال والسلاح والتدريب والتطوير والمعلومات هي أخطر على المنطقة من السلاح النووي، لذا فإن التوصل لاتفاق مع إيران، الذي تسعى إليه أوروبا وأمريكا تحت ضغوط النفط والغاز، سيفتح الباب لمزيد من تطوير تلك المليشيات، ما يعني مزيدا من التهديد لجوار إيران في الشرق الأوسط.
ولكن طهران لديها قدرة كبيرة على المراوغة، مستفيدة من هشاشة الموقف الأمريكي الحالي، وحاجة أوروبا لنفطها وغازها في فترة زمنية فارقة قد لا تتكرر، حيث توقف ضخ النفط والغاز الروسي إلى أوروبا على خلفية الحرب الناشبة بين روسيا وأوكرانيا، لكن بالنتيجة، فإن إيران تحقق اختراقات ستفضي في النهاية إلى زعزعة ذلك المحيط الجغرافي الملتهب بالأساس وإدخاله في سباق تسلح نووي، لن يهدأ بطبيعة الحال إلا بامتلاك أغلب دول المنطقة أو على الأقل الأكثر تأثيرا فيها، كمصر والسعودية وتركيا، للسلاح النووي كرد مقابل لسلاح إيران المحتمل.
حالة التشرذم العربي وعدو العرب الأول
إن حالة التشرذم التي يعيشها العرب، جعلت كل منطقة جغرافية من وطننا العربي ترى عدوا مختلفا، فالخليج والعراق وسورية واليمن ولبنان يرون في إيران العدو الأول، فيما ترى دول أخرى الكيان الصهيوني هو العدو الأول، ولا ترى في إيران عدوا داهم الخطورة، أو تضعه في المرتبة الثانية بعد الكيان الصهيوني، في حين أن صراع كل من تل أبيب وطهران، هو صراع تقاسم تركة الرجل المريض الجديد، الرجل الذي ينفق ثرواته حتى تبقيه أمريكا على جهاز التنفس حيّا يعطيها من ثرواته، قبل أن تتركه بعد أن أخذت ما أرادت نهبا لإيران والكيان الصهيوني، تقطعان من لحمه ما ترغبان لتشبعا به رغباتهما وتحققا به أهدافهما.
إن تركيا هي الدولة المؤهلة لقيادة مشروع ينظر بعينين اثنتين، فتركيا بموقعها متأثرة بمخاطر امتلاك الكيان الصهيوني للسلاح النووي، كما أنها مهددة بإمكانية امتلاك إيران السلاح النووي. لكن المخاوف وحدها لا تطلق مشروعا، وإن أطلقته لا تمتلك فرص نجاحه، إلا بإيجاد رأي عام إقليمي ضاغط يحرك العالم لنزع السلاح النووي الصهيوني وإيقاف المشروع الطامح لإيران لامتلاكه، وعملت تركيا على إعادة ترتيب علاقاتها بدول المنطقة، مع فتح جسور المصالح والتقارب مع تلك الدول لتوحيد الصف ومواجهة الخطر الذي ستظهر آثاره في العشر سنوات القادمة، ويومها لن ينفع البكاء على الوقت المهدر والفرص الضائعة.
وحتى إذا لم تُصنِّع طهران القنبلة النووية أو المواد الانشطارية الضرورية، فإن بقاءها بوصفها دولة ذات مقدرة نووية سيولِّد تحديات سياسية جسيمة، إذ ستغدو السياسة الخارجية الإيرانية أكثر جرأة وعدوانية إن هي آمنت بقدرتها على التلويح بسيف الاختراق النووي وتسليطه على رقبة المجتمع الدولي، وبمقدور إيران أيضا أن تُعزِّز من حصانتها النووية بطرق لا تقتضي وجود برنامج تسليح نووي شامل، بما في ذلك عن طريق تطوير صواريخ بالستية عابرة للقارات.
وأخيرا، ففي سبيل مواجهة إيران وهي على أعتاب صنع قنبلة نووية، ومع الشكوك حيال قدرة واشنطن على صدِّها؛ يُمكِن أن تشرع دول المنطقة في جهود التحصُّن النووي الخاصة بها أو في برامج لحيازة قنبلة، وهو ما يُشكِّل تحديا إضافيا لنظام حظر انتشار السلاح النووي دوليا، ولعل حلفاء الولايات المتحدة وشركاءها يحاولون التهديد بأنهم سيتسلَّحون نوويا للضغط على واشنطن من أجل ضمانات أمنية ومُساعَدات دفاعية أقوى، وهي استراتيجية اتَّبعها حلفاء الولايات المتحدة في آسيا، وقد تجدُ واشنطن نفسها عالقة بين خيارين أحلاهما مُرٌّ؛ إمَّا المزيد من الالتزام العسكري تجاه الشرق الأوسط في وقت تُفضِّل فيه الانصراف إلى مكان آخر، وإما البقاء على مسافة من المنطقة، ومن ثمَّ المُخاطرة بمزيد من انتشار السلاح النووي والصاروخي حول العالم.
وعلى ضوء عودة الملف النووي إلى الواجهة من جديد عقب إصدار مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قرارا ضد طهران، انقسم المراقبون في إيران بشأن إمكانية تحوّل بلادهم إلى قوة نووية، وانقسمت الدول الكبرى حيال الموقف من إيران دولة نووية تشكل خطراً على السلم العالمي وتهدد جوارها العربي حيث مخزون العالم النفطي، الذي يمثل لها الشريان الحيوي لحياتها.
