محمد فاروق الإمام
مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية
بين الفينة والأخرى ينتفض الشعب الإيراني الذي أنهكته ثورة الملالي على مدى أكثر من أربعين سنة، فهل يمكن أن تكون انتفاضته اليوم ثورة تهدف إلى الخلاص من هذا الحكم الظلامي المتعطش إلى الدماء، وحرف عقيدة المسلمين، وتهديد السلم والأمن في المنطقة التي شاء القدر أن تكون إيران جاراً نكداً لنا فيها.
لقد ذقنا من هذا النظام الظلامي الأرعن على مدى عشر سنوات ما لم يذقه أي جار من جاره، فقد كان همه على الدوام الانتصار لجلادي الشعوب وطغاتهم، كما هو الحال في سورية التي كان لها النصيب الأكبر من القتل والذبح على يدهم، أو بأسلحة الموت التي أغدقوا بها على رجلهم البهرزي بشار الأسد، أو على يدي ما جيشوا من ميليشيات الموت الرافضية التي جاءوا بها من أصقاع الأرض لذبحنا، وكذلك كان حال جارنا وجارها العراق وجارنا لبنان، إلى أن امتدت ذراعها الطويلة إلى اليمن، ويتباهى أهل العمائم بأنهم باتوا يحتلون أربع عواصم عربية “بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء” وكل ذلك أمام صمت العالم ونفاقه.
لقد كتبت العديد من الصحف العربية عن هذه المظاهرات التي عمّت مدناً عدة في إيران احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد، ووصف كُتّاب ما يحدث في طهران والمدن الإيرانية الكبرى بأنه “ثورة جياع”، متهمين طهران بإنفاق الأموال على الحروب الخارجية بدل الإصلاح الاقتصادي.
في حين اعتبر المؤيدون أنها “مؤامرة كونية” كما كان يردد ذيلهم البهرزي بشار الأسد عندما انتفض الشعب السوري بثورته على البهرزي طاغية الشام، وأن هدف هذه المؤامرة نقل المعركة إلى داخل إيران، متوقعين أن تنجح السلطات في إفشالها.
وهناك من يقول إن ما يحدث في إيران هو”ثورة جياع” كون الشعب الإيراني عاش لأربعة عقود يعاني الفقر والجوع والبطالة، ويعاني القمع وإرهاب السلطة، ويعاني الفساد المتفشي في أجهزة الحكم والأمن وفي قيادات الجيش، ويأخذه حكم الملالي من أزمات داخل الدولة وحروب مع جيرانها لسنوات طويلة، إلى أزمات وحروب في دول أخرى”.
إن النظام الإيراني بقيادة معممي قم “ينفقون المليارات على ميليشيات وعصابات إرهابية مسلحة تعيث خراباً ودماراً وقتلاً ونهباً، في اليمن وسورية ولبنان والعراق وغيرها، ولقد انتظر الشعب الإيراني الفرج بعد الاتفاق النووي الدولي ورفع العقوبات، لكنه فوجئ بالمزيد من الأزمات”.
وهذا يجعلنا ننحاز إلى القول إن ما يجري في إيران هو ثورة حرية وكرامة إنسانية وعدل اجتماعي، وقد صبر الشعب الإيراني كثيراً ولم يعد لديه طاقة على المزيد من الصبر وأنه لم يعد بالفعل يطيق ولاية الفقيه وحكم الملالي.
ويبدو أن الشعب الإيراني ضاق ذرعاً بالجوقة الحاكمة سواء في ذلك المحافظين أم الإصلاحيين بسبب الفساد وارتفاع الأسعار، وانعدام الإصلاح وتزايد الإنفاق على تصدير الثورة إلى الخارج، وتمويل الحوثيين وحزب اللات اللبناني، والدور الذي يلعبه الحرس الثوري والميليشيات الرافضية والحشد الشعبي في سورية والعراق”.
وفي هذا السياق كتبت صحيفة السياسة الكويتية معلقة على ما يجري في إيران مقالاً تحت عنوان “ثورة الفقر والجوع تهدد عرش الشاه المعمم”تقول: “حين قامت ثورة الخميني في 1979 كانت نسبة الشباب في إيران نحو 55 في المئة، ويومذاك اعتمدت ‘ثورة الكاسيت’ وهي التسمية التي أطلقت على حركة الشاه المعمم الجديد … واليوم تبلغ نسبة الشباب نحو 63 في المئة من الشعب الذي صبر 39 عاما على حكم طبقة لا تزال تعيش في كهوف القرون الوسطى منفصلة عن الواقع العالمي”.
ويضيف أن “ما يجري في إيران اليوم ليس فورة، أو انتفاضة يمكن أن تهدأ بوعود، لأن الأسباب الدافعة اليها أعمق من تلك التي أدت للثورة الخضراء في عام 2009 … إنما هي ثورة جوع، صرخة 40 في المئة من الإيرانيين العاطلين عن العمل، والمحتجين على الغلاء وتفرد طبقة قليلة العدد بثروات البلاد، إضافة إلى مليارات تهدر في الخارج على مشروع تصدير الثورة”.
وكان رد النظام الإيراني الظلامي على تلك المظاهرات على لسان الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي الذي قال: “إن السلطات ستتخذ إجراءات ضد المتظاهرين بعد أكثر من أسبوع من المظاهرات المناهضة للحكومة التي اندلعت للتنديد بوفاة شابة بعد اعتقالها على يد “شرطة الآداب”.
وتعهد رئيسي “بالتعامل بصورة صارمة” مع الاحتجاجات التي امتدت إلى معظم محافظات إيران البالغ عددها 31 محافظة.
ختاماً نقول: إن نيراناً أشعلتها محروقات الشعب، لا تطفئها خراطيم مياه الباسيج.
