شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

الدكتور هاشم الأيوبي

كان يوم أحد ، وفي الآحاد تعوّد البيروتيون أن يصطحبوا عائلاتهم وكراسيهم وأراكيلهم إلى كورنيش المنارة أو إلى تلال الدوحة وعرمون . وبما أنّ هذه التلال أصبحت مرابض مدفعيّة للعدوّ المحتلّ ، فلم يبق لهم من متنفّس غير الرصيف الممتدّ من الحمّام العسكريّ حتّى عين المريسة ، وكنّا نسمّي هذا الرصيف رئة بيروت الوحيدة . الجهات الباقية مقفلة بالنار والعداء والتشفي والابتزاز .
هدأ القصف ظهراً ، فخرج الناس عند أصيل ذلك اليوم يتنفسون على شاطئ البحر . لم تتحول المدينة في أساليب حياتها إلى قرية وحسب ، بل كادت أن تصبح عائلة ، تتآلف الأشياء فيها داخل دائرة الموت والمصير . يحاولون بما لديهم أن يعززوا أسباب الحياة . عائلات تتنزه على الشاطئ ، ولا تستطيع أن تمحو القلق عن وجوهها . في أيّة ساعة يمكن أن تتساقط القذائف . وعلى ماذا يراهنون ؟ على أخلاق العدوّ أم على مواثيقه ، وقد تعودوا على مثل هذه الأخلاق وهذه المواثيق !
بائع الكعك لم يرفع سعر بضاعته . هو يعرف أنّ المتنزِه أحد ثلاثة : فقير لم يستطع أن ينقل عائلته إلى الجبال الراقصة أو الشواطئ السابحة ، مكابر على الجرح لم يشأ أن يغادر مدينته في محنتها بعد أن لازمها في نعيمها ، أو مقاتل نذر نفسه للموت دفاعاً عن الأرض والقضيّة ، إذن على من يرفع سعر بضاعته ، وهو واحد من هؤلاء . وهذا اليوم ” سيران رمضان ” لا يمنعهم شيء من الاحتفال به .
ومع ارتشاف الشاي فوق الأعشاب التي بدأ الاصفرار يدبّ إليها من الظمأ ، يتصفح الناس جرائد اليوم ، ينظرون بأسى إلى ما وصل إليهم من صوَر الجنوب . خراب ودمار ودخان أسود يلفّ معالم صيدا وصور ومعظم البلدات والقرى التي مرّت عليها ريح الحقد الصهيوني .
في ” عين الحلوة ” صوَر لنساء يحملن أمتعتهنّ أو يجلسن على ما تبقّى من حجارة البيوت . حُفر كبيرة تملأ المكان . رجال طاعنون في السنّ آثروا البقاء رغم سور الحقد والموت . دميةٌ بين الأنقاض لطفلةٍ لم يُعرَف مصيرها ، كما لم تعرف هويّتها .

شاركها.