شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

فَشِلَ في إدارة الشأن العام وأصرّ على الانتحار السياسي بالمقاطعة

لماذا يستقبل الحريري أبواق “حزب الله” ويرعى الحملة على السياديين؟

“نظام التفاهة، هو: سيطرة الأشخاص التافهين بسبب حالةٍ صنعوها بأنفسهم.. ترسِّخ أشكال التفاهة باعتبارها مفتاحاً للنجاة.. نظام التفاهة هذا يجعلنا نُسّلِّمُ (مَلَكَةَ الحُكمِ السّليم) لنماذج اعتباطية يتم التسويق لها عمدًا، كلاعب الكرة الذي يخرج علينا ليُعلِّمنا ماذا نأكل أو نشرب.. أو شخص لم يدرس السياسة أو يفهم فيها، لكنه يخرج ويقول رأيه في كل الأحداث التي تحصل”.

الفيلسوف الكندي آلان دونو

مؤلف كتاب “نظام التفاهة”

أحمد الأيوبي

رفع سعد الحريري شعار “الخرزة الزرقاء” وحوّل “السيلفي” إلى موجة وموضة على مدى سنوات، واستبدل بطانته ونوابه من رفاق رفيق الحريري إلى نماذج سطحية باهتة ضائعة، تظهر سذاجتها بشكل فاقع أمام الرأي العام، فينتقل جزء من الجمهور السني إلى التأقلم مع هذا المستوى من السلوك السياسي الهابط وتسويقه والدفاع عنه، حتّى تحوّل إلى ثقافة منتشرة بين شرائح من الناس لا تُلقي بالاً لمآلات السياسة ولا للتحوّلات والمخاطر التي يحدثها تقديم التافهين لاحتلال المناصب العامة.

وضع سعد الحريري شعار الخرزة الزرقاء، وهي مخالفةٌ شرعيّة وسقطة سياسية، فحوّل تيار المستقبل إلى مسخرة بين اللبنانيين والعرب، وغرق أتباعُه في مزيد من التسطيح باذلين جهوداً مضنية لتسويق السذاجة والتفاهة والإصرار على الإثم والخطأ.

ومن ثمارهم تعرفونهم، جاء الحريري بالنواب والمرشحين التوافه الغارقين في الجهل والسطحية، فشاهدنا ديما جمالي مع أنطونيو، ورولا الطبش تتناول القربان، وطارق المرعبي يتعثـّر في قراءة اسمه، وجورج بكاسيني مقاتلاً طواحين الهواء وسمساراً لجبران باسيل، وغيرهم ممن لهم صولات وجولات في تقديم الجهالة منهجاً في السياسة.

من التواصل إلى الاستغلال

تحوّلت فكرة التقارب مع الناس إلى مدخل لتسطيح السلوك السياسي وتغييب الأولويات وتضليل الرأي العام وإبعاد القضايا الأساس التي ينبغي العمل عليها، ليحلّ محلها إلهاء الناس عن حقوقها المكتسبة التي ضيّعتها تنازلات الحريري، إلى درجة أصبح فيها الرافضون للتنازل والمدافعون عن الحقوق خارجون عن طاعة “القائد” الذي تحوّل إلى نموذج للفعل الفارغ وهو في ذروة السلطة، فأضاع الصلاحيات وفرّط بالمواقع، حتّى كاد أهل السنة ينقرِضون في الدولة.

وبدل اجتماعات العمل حلّت حفلات السيلفي، ومكان شعارات المواجهة حلّ “هلا بالخميس”، وبدل التركيز على الشراكة الإسلامية المسيحية، اعتلى الحريري المسرح ليتقمّص دور “دي.دجي” ذات رأس سنة في وسط بيروت، وبدل استقبال الناس  من المناطق، أحاط نفسه بمجموعة منتفعين أقرب إلى المافيا، فهو إمّا شريكهم أو أنّه لا يدري ما فعلوا وتلك مصيبة أعظم.

https://youtu.be/bsqXsPySwTI

لم يخطر في بال كثيرين التساؤل عن خلفية وأسباب هذا التسطيح الممنهج للسلوك السياسي في تيار المستقبل، ولماذا استبدال رفاق الشهيد رفيق الحريري بنماذج يعلو رؤوسها الفساد أو يسود مسيرتها الفشل، أو فرض أشخاص أمّيين في السياسة، ينشرون سياسة الغباء للسيطرة على الجمهور، وهذا ما يشير إليه آلان دونو بقوله:”إن التفاهة تشجعنا بكل طريقة ممكنة على الإغفاء بدلاً من التفكير، وعلى النظر إلى ما هو غير مقبول وكأنه حتمي، وإلى ما هو مقيت وكأنه ضروري: إنها تحيلنا إلى أغبياء”.

الإصرار على نهج التفاهة: لماذا استقبال مايا الصباغ؟

يستقبل سعد الحريري المدعوة مايا الصباغ، في مقرّه بدولة الإمارات العربية المتحدة، رغم تعليقه عمله السياسي، وهي من أوقح أبواق “حزب الله” في طرابلس ولبنان، وهي التي لم تُبقِ إساءة للأحرار المقاومين للممانعة إلاّ وأطلقتها، ودأبت على استفزاز الرأي العام السني بمحاولاتها إدخال الحزب إلى الفيحاء من خلال استغلال فقرٍ كان للحريري الدور الأكبر في توسّعه وانتشاره في “عاصمة السنة” كما أسماها بعضهم ذات يوم.

إستقبل سعد الحريري مايا الصباغ، ليسمع منها الإشادة بأنّه هو زعيم السنة وقائدهم، وليسمع أشرف ريفي وسائر المعارضين ذلك.. كما ذكرت الصباغ.

يبتسم سعد فرحاً بشهادة واحدة من أسوأ نماذج الممانعة بـ”قدراته القيادية”، في رسالة إضافية تؤكّد أنّه أراد من خلال دعوته للمقاطعة إسداء الخدمة الأعظم لـ”حزب الله”، وبفضل حربه الشعواء على دعاة المشاركة، وخاصة الرئيس فؤاد السنيورة، كسب الحزبُ مقاعد كان يفترض أن تبقى لأهل بيروت والشمال والبقاع والجنوب والجبل، لا أن تذهب إلى سلّة الحزب المستقوي بالسلاح الإيراني.

إستقبال الحريري لمايا الصباغ هو استقبال سياسي خاصة أنّها دعت خلال الانتخابات إلى توحيد الجهود لإعادته إلى رئاسة الحكومة (فيديو)، فهل هناك انقلاب أسوأ مما يفعله الحريري على أهل السنة وعلى الوطنيين الشرفاء؟!

عبثية الانتحار السياسي

في دعوته للمقاطعة، كان سعد عبثياً لآخر الدرجات وكان متهوِّراً ونزِقاً ومستعلياً على الجميع، رافضاً أيّ حوار يمكن أن يشكِّل مخرجاً لائقاً له وحافظاً لمصالح أهل السنة، فلم يجد الرئيس السنيورة بُدّاً من التحرّك لدفع الأضرار الناشئة عن قرار الانتحار السياسي، وكانت مبادرته للمشاركة في الانتخابات ترشيحاً واقتراعاً.

وصل الحال بإعلاميي سعد الحريري أن يصفوا معارضيهم والمستقيلين من تيار المستقبل بأنّهم “خوارج” وهذا مصطلح يساوي التكفير السياسي والفعلي، مع اعتماد لغة الإسفاف والتطاول وإظهار العجرفة في مقاربة الأحداث والتعاطي مع من يختلف معهم، وهذا ما يحدث تماماً في التعامل مع الرئيس فؤاد السنيورة.

إكتسب سياسيو وإعلاميو المستقبل العجرفة التي يتّسم بها إعلاميو “حزب الله” فتحوّلوا إلى أبواقٍ تستجدي الاشتباك لتعلن عن وجودها، وهذا أحد وجوه التشابه الكثيرة بين التيار والحزب.

ما العمل للإطاحة بنظام التفاهة؟

يخلص آلان دونو إلى أننا نعيش في ظل “أوليغارشية” (حكم الأقلية) أو “بلوتوقراطية” (حكم الأثرياء) وليس في كنف نظام ديمقراطي يستوعب كافة التوجهات والمصالح، وبرأي الفيلسوف الكندي، فإن “السبيل للإطاحة بنظام التفاهة لا يمكن أن يتم إلا بكيفية جماعية أو ما يصفه بـ”القطيعة الجمعية”، وليس عبر نُشدان الخلاص الفردي، مع ما يستلزمه ذلك من طرق تفكير راديكالية لإنهاء وجود المؤسسات والقواعد التي تضر بالصالح العام”.

واقع الحال أنّنا عشنا في ظلّ نظام التفاهة على يد شخص لا يبالي بالناس، وكلّما خرج من السلطة خرج من البلد وترك من يفترض أنّه يمثِّلهم ليلتفت إلى مصالحه الخاصة، كما يحصل الآن، وهذا سلوك لا يمكن أن يُؤمَن جانب من يقوم به، فالسياسة في لبنان توجب العمل الدؤوب من الداخل بجدّية ومثابرة وصبر، وهذا ما لا يتوفر في سعد الحريري.

لسان حال من عانَوا من سياسات سعد وأحمد الحريري أنّ الوقت قد حان لعمل جَماعي يُنهي موجة التفاهة السياسية والاجتماعية والثقافية ويفتح صفحة العمل والبناء وإقامة الاعتبار لعوامل الصمود السياسي والاجتماعي والتعاون بين الشرفاء الذين يتمسكون بثوابتهم الإسلامية والوطنية.

شاركها.