بقلم :الأستاذ الدكتور رأفت محمد رشيد الميقاتي
رئيس المركز الدولي لحقوق الإنسان والقانون المقارن
١- تاريخيا ، تمت صياغة كيان الدولة اللبنانية في لحظة تغلّب محور دولي ، بعد تغييب دولة الوحي والعدل والحضارة الإسلامية العليّة التي احتضنت كل الملل والنحل ، والمستقاة من دولة النبوة الشريفة الخالدة والتي لا نظير لعدلها في تاريخ الإنسانية ، مما أفضى إلى “مواطنة الضرورة” حيث وجد المسلمون أنفسهم فرادى ورهن كيانات سياسية وليدة وجديدة على الساحة الدولية بعد حربين عالميتين طاحنتين .
٢- دستوريا ، هذا المقعد مخصص “للمسلمين “في برلمان متعدد الطوائف والمذاهب .
٣- دستوريا أيضا ، فإن هذا المقعد مخصص للطائفة المسلمة “السُّنية”، أي الطائفة التي تؤمن بمرجعية الوحي الإلهي المتمثل بالقرآن الكريم في حياتها العامة والخاصة ، ثم السنة النبوية الشريفة التي تشمل كل ما ثبت من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا أو فعلا أو تقريرا ، وفي طليعة ذلك حب آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام خير أمة أُخرجت للناس ، والبر والقسط بأهل الكتاب والحفاظ المتبادل على الدماء والأعراض والأموال .
٣- ودستوريا أيضا ، وانطلاقا من الحريات العامة ومنها حرية التعبير، فإن هذا المقعد مخصص لمن يعبّر عن وجدان هذه الطائفة الإسلامية السنية فيعزز شراكتها الفاعلة ، ويحفظ حقوق أبنائها بالدرجة الأولى ، ويعبر عن تطلعاتهم ، ويَعبر بهم من واقع القمار السياسي الأسود القائم في هذا البلد المنهار ، إلى مستقبل العدالة الاجتماعية المنشودة ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، ويتعاون مع المخلصين من ممثلي الطوائف الأخرى على كل ما فيه خير البلاد والعباد ودرء الشر والفساد .
٤- دستوريا أيضا ، ورغم أننا في إطار دولة مدنية ، فإن هناك “مصالح دينية” تم النص الصريح على كفالتها في الدستور ، وكذا “حرية التعليم الديني” وحرية “إقامة الشعائر الدينية” واحترام “أنظمة الأحوال الشخصية للبنانيين على اختلاف مللهم” ، وبالتالي فإن على من يشغل هذا المقعد أن يكون قادرا ومؤتمنا على صيانة هذه الضمانات الدستورية دون تفريط ولا تمييع ولا مساومة ، ولا بيع لشرائع الله وخاصة في شقها المصان دستوريا تحت قبة البرلمان تحت أي عنوان من العناوين .
٥- عمليا ، إن كثيرا من المرشحين عن المقعد المخصص للطائفة الإسلامية السنية وكذلك كثيرا من الناخبين ، يعانون كليا أو جزئيا من الغربة والتغريب عن دينهم الحنيف عقيدة وفقها وسلوكا ، وذلك في مجتمع تعاقبت عليه أمواج الصدّ عن سبيل الله والتشويه الإعلامي والتعليمي المنظم لوحي الله ردحا من الزمن ، مما أفضى إلى تضييع كثير ممن وصلوا قبلهم إلى الندوة البرلمانية هويتَهم الدينية الحضارية الإسلامية التي وصلوا عبرها إلى المقعد النيابي المخصص لمن ينتمي إليها أصلا ، وبالتالي وقعوا وللأسف في نكبة التفريط في أمانة الحفاظ على صحة التمثيل في بلد المكونات الطائفية المختلفة ، فتورطوا في ممارسات تشريعية غير دستورية جعلت عموم المسلمين غرباء في هذا الكيان على كل الصعد ، إلا ما تبقى من بقية مشاركات فلوكلورية رمزية للمسلمين السنة في السلطة والإدارة والمؤسسات الأمنية والعسكرية ، بعد سلسلة من الانقلابات الميليشيوية والدستورية والسياسية الفاجرة والحروب العبثية وفوضى السلاح والاستباحة الشاملة للدماء والأعراض والأموال ، والتي قامت بها أحزاب وتيارات معروفة ، مما أدّى إلى اغتيال روح الشراكة الوطنية شاء من شاء وأبى من أبى ، وتغليف كل ذلك بشعارات خداعة ما أنزل الله بها من سلطان .
٦- انتخابيا ، يأثم من يقوم بانتخاب كل من ثبت تفريطه بأمانة الحكم وحقوق المواطنين عامة وبحقوق الطائفة الإسلامية التي يمثلها بصورة خاصة ، كون ذلك تعاونا على الإثم والعدوان ؛وذلك فيما بقي أصلا للشرفاء من هامش في هذا البلد المنكوب ، فلا بد من المحاسبة والمعاقبة السياسية الآن في الانتخابات النيابية ثم قضائيا بعد ذلك .
٧- وانتخابيا أيضا ، يأثم من يقوم بانتخاب الأشخاص من ممثلي أو مرشحي الأحزاب أو التيارات التي ثبت تلوثها بالدماء والفساد السياسي والإداري تحت أي عنوان من العناوين ، كما يأثم من يقوم بالتحالف معها أو مع أتباعها ، وبخاصة أولئك الذين يوالون ويُظاهرون ويعاضدون أنظمة القتل والإجرام في المنطقة ، والذين يبرأ اللهُ منهم ومن باطنيتهم الخبيثة التي سطروها بدماء الأبرياء الأحرار.
٨- وانتخابيا أيضا ، يأثم من يقوم بانتخاب من كان لسفارات الظالمين ومنظمات الفاسدين ظهرا مركوبا أو ضرعا محلوبا ، فمثل أولئك لا يؤتمنون على أصوات ناخبيهم ولا على هويتهم الثقافية الحضارية ولا على دمائهم ولا على أموالهم ولا على أعراضهم ، مهما عظمت حملاتهم الدعائية الانتخابية ، أو تفاخروا بفجورهم الذي يلطخ سجلاتهم العدلية والتي نستغرب حصولهم عليها !!
٩- وانتخابيا أيضا وأيضا ، لا نخذل من يستحق أن يكون بالدرجة الأولى أمينًا على هوية المسلمين الحضارية وعلى قضاياهم العادلة في البرلمان وقادرا على التخذيل عنهم بقدر استطاعته ، في زمن حرب الإبادة المنظمة على دينهم وحواضرهم وعواصمهم وأنظمة تعليمهم وأنظمة أسرهم وحلالهم وحرامهم ، رغم قناعتنا التامة أن التغيير الجذري للواقع والإصلاح الشامل غير متاح ، غير أن السفينة ينبغي أن لا تترك للغرق طالما هناك بقية باقية من أهل الفضل والنخوة والمروءة والعلم والخبرة من المسلمين ومن كل الطوائف والمذاهب بحكمائها وعقلائها .
١٠- ضمن هذه المعطيات ، وفي أي الدوائر الانتخابية كنتَ ، أيها المواطن المسلم ، ومهما كان قانون الانتخاب منسوجا على قياس كبار الفاسدين لمحاولة ضمان إعادة إنتاجهم في السلطة ، بادر مع الأغلبية التي توصف دائما أنها صامتة إلى اختيار لائحة تستطيع من خلالها اختيار من يمثلك في المقعد النيابي السني ابتداء ، وبالمقاعد الأخرى انتهاء ، ومنح صوتك التفضيلي لمن تثق أنه يؤتمن على ما سبق بيانه ، وحجب صوتك الشريف الغالي عن كل من لا يستحقه وبعيدا عن أية اعتبارات عائلية أو مصلحية بائسة.
