بقلم: رولا سوبره(باحثة دكتوراه، مستشارة في الادارة التربوية والقيادة والحوكمة، متخصصة في وضع الاستراتيجيات لأفضل الممارسات في الدمج التربوي والوصول الشامل)
يعيش القطاع التربوي في لبنان واحدة من أحلك المراحل في تاريخه الحديث، حيث تتداخل الأزمة الوجودية التي يمر بها الوطن مع عشوائية مفرطة في إدارة الملفات الرسمية، لا سيما في وزارة التربية والتعليم العالي. إن المشهد السريالي الذي يشهده اللبنانيون اليوم يتجاوز مجرد تعثر أكاديمي؛ إنه يعكس انفصالاً تاماً لطبقة مسؤولة عن واقع تلامذتها، وإصراراً غريباً على إدارة الأزمات الكبرى بعقلية المياومة والدكانة، في زمن تفرض فيه التكنولوجيا والخطط العلمية نفسها كطوق نجاة وحيد لإنقاذ ما تبقى من الهيكل التربوي.
أولاً: مسرحية الامتحانات تحت وطأة الحرب.. غياب الرؤية ومجزرة الأعصاب
إن الإصرار الرسمي على إجراء امتحانات وطنية استعراضية في ظل ظروف أمنية بالغة التعقيد والخطورة، يشكل مغامرة غير محسوبة بأرواح التلامذة وصحتهم النفسية والجسدية. ما شهدته ثانوية البشائر مؤخراً، حين هزت الغارات الحربية جدران القاعات واهتزت معها قلوب أطفال لم يتجاوزوا الرابعة عشرة من عمرهم، هو إدانة صارخة لسياسة المكابرة. أن يُنقل التلاميذ بسيارات الإسعاف جراء نوبات الهلع في مراكز الامتحانات، فهذا يسقط أي شرعية أكاديمية أو تربوية لهذه الاختبارات.
الأمر لا يقف عند حدود الترويع الأمني؛ بل يمتد إلى انفصام رسمي يتبدى في التسريبات والبيانات الرسمية التي تقدم المنهج الدراسي على قيمة الإنسان اللبناني. حين تخرج أصوات رسمية تعتبر أن الخسارة الأكبر ليست في فقدان الآلاف من الشهداء والجرحى، بل في عدم القدرة على استكمال صفحات من كتاب، فإننا نصبح أمام أزمة مفاهيم وطنية وإنسانية قاتلة. الدم اللبناني لا يمكن أن يكون أرخص من حبر المناهج، والتاريخ لن يغفر لمن قيّم مصير جيل كامل بورقة كرتون تُطبع فوق جثث تلامذته وأعصابهم.
وفي الوقت الذي يطالب فيه الطلاب ببيئة تعليمية عادلة تضمن الحد الأدنى من تكافؤ الفرص، يُقابل اعتصامهم السلمي في الباشورة بالقمع والضرب، بينما تظل الخطوط الساخنة التي أعلنت عنها الوزارة للتواصل مع الطلاب ميتة وبلا مجيب، في تجسيد واضح لشعار السلطة الدائم: آذان صماء وعصي غليظة.
ثانياً: الخطة الرقمية المفقودة.. التكنولوجيا كطوق نجاة لا كرفاهية
لقد مر لبنان بمحطات قاسية منذ بداية الأزمة الحالية، وكان واضحاً أن الحرب مستمرة وممتدة، ومع ذلك، بقيت وزارة التربية واللجان النيابية المعنية في موقع المتفرج بلا خطط طوارئ جاهزة. إن التذرع الدائم بـغياب الإمكانيات لم يعد ينطلي على أحد، فالأدوات والحلول التكنولوجية موجودة ومتاحة، لكنها تفتقر إلى الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية.
لو أرادت الإدارة التربوية إنقاذ العام الدراسي بشكل سليم، لكانت وضعت خطة طوارئ رقمية متكاملة تفعل تلقائياً منذ اليوم الأول للأزمة، وترتكز على ثلاثة محاور أساسية:
1- البنية التحتية والعدالة الرقمية: فرض إستراتيجية وطنية بالتعاون مع شركات الاتصالات لتأمين إنترنت مجاني مفتوح (Zero-rating) طوال اليوم للمنصات التعليمية وسيرفرات الدروس، بدلاً من المهزل الحالية القائمة على إنترنت يقطع في منتصف النهار ويحرم تلامذة القرى والأطراف من متابعة دروسهم.
2- التكافل بين القطاعين العام والخاص: يمتلك القطاع التعليمي الخاص في لبنان بنية تحتية رقمية مجربة وقوية قادرة على استيعاب التعليم عن بعد بسلاسة. وكان الأجدى بالوزارة فتح خطوط تنسيق وطنية لدمج الطلاب النازحين افتراضياً داخل حصص المدارس الخاصة، بدلاً من ترك طلاب المدرسة الرسمية لمصيرهم في الشارع، مكرسين بذلك تمييزاً طبقياً وتربوياً خطيراً.
3- التعليم المرن والمقسّم (Asynchronous Learning): في ظروف الحرب، لا يمكن تدريس المنهج التقليدي بحذافيره. الحل التكنولوجي يكمن في تكثيف المنهج حول الكفايات الأساسية، وتصويرها عبر مكتبات مرئية تفاعلية بجودة عالية، ليتسنى للطالب الماكث في مراكز الإيواء أو تحت التهديد الأمني أن يدرس في الوقت الذي تسمح به ظروفه والكهرباء، دون أن يرتبط بتوقيت مباشر يضيع عليه إن قُطع الاتصال.
ثالثاً: فضيحة الـ 3 ملايين دولار.. إهدار الفرص وسوء إدارة الهبات
تتجلى ذروة العشوائية وسوء الإدارة عند النظر إلى الجانب المالي. ففي الوقت الذي تدعي فيه الوزارة عجزها، تكشف الأرقام عن وصول هبة مالية بقيمة 3 ملايين دولار أمريكي مخصصة لدعم الامتحانات والقطاع التربوي. وبدلاً من استثمار هذا المبلغ الضخم في بناء حصن رقمي مستدام يحمي الطلاب، يُصر القرار الرسمي على حرق هذه الملايين في لوجستيات امتحانات استعراضية، من طباعة ومراقبة وبدلات تصحيح تحت خطر الصواريخ الغادرة.
بهذا المبلغ (3 ملايين دولار)، كان يمكن إحداث ثورة تربوية حقيقية في زمن الأزمة:
• تأمين الأجهزة الذكية: عبر مناقصات شفافة بسعر الجملة، كان يمكن شراء وتوزيع ما يقارب 60,000 جهاز لوحي (Tablet) أو هاتف ذكي، تُسلم مجاناً للطلاب النازحين والأكثر حاجة لضمان متابعتهم للتعليم من أي مكان آمن.
• الامتحانات الرقمية الآمنة (Secure Remote Proctoring): كان يمكن استثمار جزء من الهبة في اعتماد برمجيات الامتحانات المشفرة والمراقبة بالذكاء الاصطناعي، وتقنيات الاختبارات غير المتصلة بالإنترنت (Offline Testing)، حيث يحمل الطالب الامتحان على جهازه المؤمن ويقدمه في بيئة آمنة ببيته، وتُرفع النتيجة تلقائياً عند توفر الإشارة. هذا هو الصمود الحقيقي الذي يضمن العدالة، يمنع التسريب، ويحقق أهم قاعدة إنسانية: صفر مخاطرة بأرواح الأطفال.
رابعاً: خاتمة ومحاسبة.. السلطة مسؤولية وليست امتيازاً
كفى تذرعاً بـغياب الإمكانيات وصناعة الحجج الواهية. لقد أثبتنا بالدليل والواقع أن الحلول العلمية والبدائل التكنولوجية ممكنة ومتاحة، فالخطط العلمية المدروسة هي أساس أي نجاح في مواجهة الكوارث، لكن الإدارة التربوية والسياسية في لبنان اختارت عشوائية الارتجال والمكابرة.
على وزيرة التربية والنواب، وبخاصة أعضاء لجنة التربية النيابية، أن يدركوا أن السلطة ليست امتيازاً بروتوكولياً أو مجرد كراسٍ للمفاخرة، بل هي مسؤولية دستورية، قانونية، وأخلاقية مباشرة عن وطن ينبض بالأطفال والأرواح. عندما تعجزون عن تأمين الإنترنت لتلميذ، أو توفير جهاز لوحي لطالب مهجر، أو حماية طفلة مرعوبة داخل قاعة امتحان، أو عندما تسكتون عن دماء طلاب كـثيودوسيا وطوني كرم الذين استشهدوا وهم يسعون وراء امتحاناتهم الجامعية على طريق الخردلي، فإنكم تثبتون، بالوجه الشرعي والقانوني، عدم أهليتكم لإدارة هذه الكراسي ومناصبكم.
إن المسؤولية كاملة تقع على عاتقكم؛ فالأوطان لا تدار بالصدفة، ومستقبل الأجيال لا يترك للمقايضات السياسية وحفظ ماء وجه المسؤولين. ارفعوا أيديكم عن المزايدات الاستعراضية، واحموا عقول أبناء لبنان وأرواحهم، واعلموا جيداً أن التاريخ لن يرحم، والشعب لن ينسى من فرّط بدمِ تلامذته من أجل حبر كتاب لم يقرأوه.

