شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

المباراة القرآنية: الحفاظ على الهوية والقيم في زمن التحولات العاصفة

٣٦٦٠ مشاركاً ومشاركة من مدارس طرابلس الرسمية والخاصة: مؤشِّر على تنامي الاقبال على القرآن الكريم

أحمد الأيوبي

لا يمكن النظر إلى المباراة السنوية التي تنظمها جمعية التربية الإسلامية المشرفة على مدارس الإيمان الإسلامية في حفظ وتلاوة القرآن الكريم على أنّها حدث تربوي ديني يخوضه الطلاب للتنافس والفوز بالجوائز، وهي ليست نشاطاً تحفيزياً للطلاب لتعزيز الأواصر التربوية فحسب، بل إنّها التعبير الاجتماعي الأكثر صدقاً عن الهوية الصافية لأهل طرابلس الممتدة إلى بدايات وصول الإسلام إلى لبنان حتى يومنا هذا.. فهي تسير بالأجيال مع كتاب الله تعالى في تعزيز القيم السامية التي يبثّها القرآن الكريم في كلّ جوانب الحياة الإنسانية.

دخلت المباراة القرآنية في مدارس الإيمان الإسلامية عامها الثالث والأربعون وهي تشكِّل المحطة الروحية والمعنوية الأكثر غنى وحضوراً في حياة الطلاب والأهالي معاً، وأجمل ما في هذه القصة أنّ الأهالي يتوقون لفوز أبنائهم، ربما بما يفوق توقهم لنجاح فلذات أكبادهم في الامتحانات المدرسية لأنّهم يدركون أنّ التأسيس الصحيح للشخصية الناشئة يتمثّل في تربيتها على منهج القرآن الكريم، فمنه تتوسع الرؤية للحياة، ومنه يحدِّد الأبناء بوصلة المسار في الحياة..

إثنان وأربعون عاماً مع القرآن الكريم، مسيرة رسّخها العلماء وكبار العلماء وشيوخ القرّاء الذين وجدوا فيها واحة تلاقٍ مع الأجيال الجديدة، فكان حضورهم محطّة تحفيز ورفع طموح، وقد كان لشيخ قرّاء طرابلس المقرئ الشيخ صلاح الدين كبارة بصماته وحضوره التاريخي في هذه المسابقة، فقد كان يحرص على مواكبة هذا الحدث باعتباره استحقاقاً دعوياً من الطراز الأول، وعلى هذا الأساس كان اهتمامه بها، واستذكاره يستطمر له الرحمات ويعيد إحياء ذكريات عابقة بالمحبة والتلاقي، وبإجلال العلماء وتشجيع الطاقات وتحفيزها.

ولا ننسى شيخ قرّاء عكار الشيخ خالد بركات صاحب الحضور الآسر والمبادِر في الدعوة وأنشطتها، فكان يرى في هذه المباراة موسماً للخير ونشر المعرفة القرآنية وتشجيع الأجيال على الحفظ وإتقان التلاوة والتدبّر.. رحم الله الشيخ صلاح الدين كبارة والشيخ خالد بركات وجزاهما عن المسلمين خير الجزاء..

 

بلغ عدد المشاركين والمشاركات في مسابقة هذا العام 3660 طالباً وطالبة ازدحمت بهم جنبات مدرسة الإيمان في أبي سمراء، فالتقوا على صعيد واحد وعلى هدفٍ واحد: حفظ القرآن في القلوب قبل الصدور.. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون..

شيخ القراء الشيخ صلاح الدين كبارة يتقدم وفد دار الإفتاء إلى احتفال في مسجد الإيمان سنة 1995 ويبدو في الصورة تلاميذه مفتي طرابلس الشيخ مالك الشعار والقاضي مفيد شلق و الشيخ سعدي كبارة

تكمن أهمية ترسيخ الموسم القرآني في مدارس الإيمان الإسلامية في أنّها تشكل اليوم العامل الثابت في زمن تحوّلات عاصفة تستبيح حصانة المجتمع وتخترق مؤسساته، وتطال بعضاً ممّن تأسّس على العنوان الإسلامي، بينما تحوّل لاحقاً إلى حالة تخلٍّ عن القيم وانزلاقٍ نحو برامج التغريب بما تحمله من شذوذ فكري يهدِّد مصير الأجيال..

تستعدّ جمعية التربية الإسلامية لإطلاق مرحلة جديدة تستند إلى الثوابت الدينية وإلى التطوير والتحديث التعليمي، وإلى التعاون في سبيل الخير العام وستسعى لإقامة شراكات تساهم في خدمة المجتمع فتتعزّز الهوية الإيمانية الآمنة على قاعدة التعاون والتكامل مع مكونات المجتمع.. وتشكِّل المباراة القرآنية السنوية محطة هامة لنشر روح المحبة والالتقاء على الخير، وتؤّسِّس لتراكُمٍ تنضج بذوره على مرّ الأعوام أجيالاً تحمل الإيمان وتخوض غمار الحياة بكفاءة واقتدار..

شاركها.