شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

خالد خشفة
محلّل وباحث سياسي

يقف لبنان اليوم عند مفترق دقيق: نارٌ على حدوده، ومفاوضاتٌ خلف الأبواب المغلقة. لحظةٌ حاسمة تبدو فيها بيروت عاجزة عن تحديد مصيرها، وتُعامَل كبندٍ في دفتر شروط الآخرين. في كل مفاوضة، لا يُستشار لبنان بل يُختبَر.

الواقع صار واضحاً:
لبنان لم يعد مجرّد طرف في الحرب، بل أصبح نقطة ارتكازٍ استراتيجية في أي صفقة إقليمية، حيث يُعاد رسم دوره في معادلة غزة والمنطقة، من دون أن يكون له صوتٌ موحّد أو قرارٌ مستقل.

توافق رئاسي… خطوة أساسية

دخلت المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية مرحلة جديدة بعد توافق الرؤساء الثلاثة، جوزيف عون ونواف سلام ونبيه بري، على الجانب التقني–الأمني للملف.

وقد كُلِّف السفير السابق لدى واشنطن، سيمون كرم، برئاسة الوفد اللبناني للجنة “الميكانيزم” لتفعيل الاجتماعات والتوصّل إلى اتفاق أمني قائم على وقف الأعمال العدائية.

حددت هذه الخطوة أهدافاً واضحة:

▪︎ وقف الخروق والاعتداءات الإسرائيلية.
▪︎ انسحاب إسرائيل من المناطق المحتلة.
▪︎ استعادة الأسرى اللبنانيين.
▪︎ تصحيح الخط الأزرق وحماية السيادة اللبنانية.

وأكد الرئيس نواف سلام أن أي تعاون اقتصادي مع إسرائيل لن يحصل إلا بعد تحقيق السلام، بينما تشكّل مشاركة المدنيين خطوةً لتقوية الموقف اللبناني على الطاولة.

المعارضة ترفع الصوت: رسالة سمير جعجع

وجّه رئيس حزب “القوات اللبنانية” رسالةً مفتوحة للرؤساء الثلاثة، مؤكداً أنّ لا سبب أو مبرّراً للتأخير الحاصل في حلّ الأجنحة العسكرية والأمنية لحزب الله بعد قرارَي مجلس الوزراء في 5 و7 آب المنصرم. وشدّد على أنه لا يتحدث من موقع الخصومة أو المنافسة، بل من موقع اللبناني “الضنين” على بلاده ومستقبل أجياله، معلناً أن المطلوب إعلانٌ سياسي واضح يتكرّر كلّ يوم في العلن والاجتماعات المغلقة، لتتبعه خطواتٌ سياسية وإدارية واضحة لوضع هذه “الأصول الفاجرة” عند حدّها.

الرسالة تعكس ضغطاً داخلياً حقيقياً لمتابعة خطوات واضحة تجاه الأجنحة العسكرية، ما يضع الدولة تحت مراقبة دقيقة من المعارضة والمجتمع المدني.

حزب الله: رفع سقف الدفاع الداخلي

صعّد الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، الموقف قائلاً:

“سندافع عن أنفسنا وأهلنا وبلدنا، ونحن مستعدون للتضحية إلى أقصى الحدود. لا يوجد شيء اسمه بعد جنوب الليطاني، وكل ما يُطرح خارج هذا السياق هو شأن داخلي بين اللبنانيين أنفسهم”.

هنا يظهر التناقض الثلاثي بوضوح:

▪︎ إسرائيل: تفاوض يشمل الأمن والاقتصاد والسياسة.
▪︎ الدولة اللبنانية: حصر المفاوضات في الجانب الأمني فقط.
▪︎ حزب الله: رفض أي شروط خارجية تؤثر على السلاح والدفاع الداخلي.

هذا الانقسام يجعل لبنان ردّ فعل للضغوط الإقليمية والدولية أكثر من كونه صانع قرار.

اللاعبون الإقليميون: من يرسم قواعد اللعبة؟

بينما يختلف الداخل اللبناني، يواصل اللاعبون الإقليميون رسم قواعد اللعبة:

▪︎ إيران: تستخدم لبنان كورقةٍ في مفاوضاتها الإقليمية، لكنها فقدت السيطرة الكاملة على الأرض.
▪︎ إسرائيل: توسّع بنك الأهداف، وتعيد ضبط الحدود الجنوبية، وتضغط لتوسيع النفوذ على لبنان.
▪︎ حزب الله: يتحرك وفق قواعد تمنع الانفجار الكبير، لكنه يترك للأحداث الإقليمية تحديد طبيعة المواجهة.
▪︎ الدولة اللبنانية: وسط هذا المشهد صارت منفّذاً للتوازنات الدولية أكثر من كونها صانعة قرار.

الواقع الإنساني والاقتصادي

أي تصعيد أو اتفاق له تأثير مباشر على المواطن اللبناني:
ارتفاع أسعار المواد الغذائية والطاقة، وخطر نزوح داخلي من مناطق الجنوب والمناطق الحدودية، وتعقيد إعادة الإعمار بعد أي اشتباكات.

اقتصادياً: أي صفقة أو ضغط إقليمي يمكن أن يفاقم أزمة الدين العام ويعرقل التدفقات الاستثمارية الضرورية لإنقاذ البلاد.

بيروت بين الفوضى الداخلية وضرورة القرار الاستراتيجي

الشلل السياسي والفراغ الرئاسي يجعل لبنان عاجزاً عن صياغة موقف رسمي موحّد وسط تحديات مثل:

▪︎ دعم الجيش اللبناني لضمان الأمن جنوب الليطاني.
▪︎ منع أي فتنة داخلية نتيجة تباين مواقف الدولة وحزب الله.
▪︎ التنسيق مع “اليونيفيل” لتطبيق القرار 1701 واستمرار القوات الدولية بعد الانسحاب المقرر في 2027.

أي خطوة غير محسوبة قد تثير أزمة داخلية أو صراعاً على الأرض.

السيناريوهات المقبلة: هدنة، حرب محدودة أم صفقة إقليمية؟

▪︎ هدنة طويلة بضمانات دولية: انتشار أكبر لليونيفيل واعتبار لبنان منفّذاً لشروط تُكتب في واشنطن وتل أبيب.
▪︎ حرب محدودة لتعديل قواعد الاشتباك: ضربات عسكرية محدودة لتعديل ميزان الردع من دون حرب شاملة.
▪︎ صفقة كبرى تربط لبنان بسوريا وغزة: لبنان جزء من مفاوضات إقليمية شاملة قد تؤدي إلى إعادة هندسة سياسية كاملة وفرض شروط خارج إرادته.

الرؤية الدولية: كيف تنظر القوى الكبرى؟

واشنطن وباريس تدعوان إلى ضبط النفس وتطبيق الاتفاقات الأمنية، مع مراقبة أي تصعيد يهدد الاستقرار الإقليمي.
الجامعة العربية تحذّر من تحويل لبنان إلى ساحة مواجهة، وتطالب بحلّ سلمي يحافظ على سيادة الدولة.

لبنان لاعب غائب في لعبة مصيرية

لبنان لا يفاوض على مستقبله، بل يُفاوَض باسمه.
اليوم، لبنان ليس على خط الانفجار فحسب، بل على خط إعادة رسم دوره الإقليمي بالكامل من دون أن يُستشار.

لبنان اليوم ليس مجرد ساحة حرب، بل ورقة اختبار في لعبة الكبار، حيث يُختبَر كل قرار وكل خطوة على أرضه وسكانه، من دون أن يكون له أي صوت في رسم مستقبله. حماية الدولة والسيادة تتطلب صوتاً لبنانياً موحّداً قبل أن يفوت الأوان.

شاركها.