مَنْ عايش اختطاف بيروت في السابع من أيار 2008، على أيدي مجموعات ميليشياوية مُسلّحة، رصّت صفوفها انتقاماً من بيروت وأهلها، يعي جيداً أنّ الاستحقاق الانتخابي المُقبل في الخامس عشر من أيار 2022، لا بُدَّ وأنْ يكون فرصة لوضع حدٍّ لتفلّت السلاح والتلويح به في الداخل، ضد أهل البلد عموماً، والعاصمة وأهلها خصوصاً.
لذلك لكن القرار، بل جرى اختيار المواجهة، مواجهة بيروت بأصوات لأهلها لـ”يلّي عم يسكّر جامعاتها”، “يلّي عم يهدم مستقبلها”، “يلّي عم بيَئّس أهلها”، “يلّي عم يكسر إرادتها”، “يلّي عم يقضي عالقضاء”، و”يلّي عم يسكّر مستشفياتها”، “يلّي هجّر ولادها”، و”يلّي خاطفها”.
لكن وفي عمق المواجهة مع الآخر القائم على إلغاء سواه، توالت الضربات من أهل البيت الأزرق، على رفقة العمر وشركاء النضال، لمجرّد اختلاف القرار والخيار، واعتماد درب إنقاذ البلد وعدم تركها ساحة مُباحة أمام الإيراني وأتباعه لاغتصاببها كلّما أمر وليُّ فقيههم.
كاتب هذه السطور، بعد ظهر الأحد 24 الجاري، التقى زميلاً له في “مهنة المتاعب”، في محلّة الملا، فكان أوّل ما طُرِح عليه: “مَنْ سننتخب؟!.. ولماذا؟!”.. ليُجيب: “ألم تعش 7 أيار بحذافيره؟.. ألم نتعرّض لرفع السلاح الفردي في وجوهنا؟.. وألم نواجه الموت بين مفترقات الطرق لمجرّد الاختلاف لا الخلاف؟!.. فانظر أي لائحة ترفع شعار المواجهة ضد هذا السلاح.. الذي استغل عتمة الليل واقتحم العاصمة وحاول اغتصاب البلد.. انتقاماً من أهل السُنّة واللبنانيين عموماً”..
وشاءت الصُدف أنْ يكون الحديث عند تقاطع رُفِعَتْ عليه يافطة للائحة “بيروت تواجه”.. التي شعار الأساس “صوتك بـ15 أيار بيسقّط 7 أيار”، برئاسة القاضي والأستاذ الجامعي والوزير السابق الدكتور خالد قباني، والتي تضم في صفوفها نخبة من أهل الفكر، القانون، العلم، والمجتمع الأكارم، بمعنى أدق لائحة من نخبة الاختصاصيين، الواعين والمُدركين لمدى خطورة المرحلة التي يمر بها الوطن..
وفي سردة سريعة على بعض أعضاء اللائحة، بدءاً من أعلى هرمها تظهر مناقبية، وأخلاقيات والدور الذي لعبه الدكتور خالد قباني جامعياً (كنتُ تلميذه في كلية الحقوق لمادة القانون الإداري، وأكاد أجزم عن طيب معشره، وحُسن أخلاقه بالفم الملآن)، وكوزير للتربية والتعليم، أو كمدير لمؤسّسات الرعاية – دار الأيتام الإسلامية، مروراً بالأخ والصديق الدكتور عبد الرحمن المبشّر، سليل الأسرة العريقة، ناهيك عن المستوى العلمي الراقي، ودوره الأساس في الدفاع عن حقوق الإنسان على مختلف الصعد.
أما المحامية زينة المصري، فقد كان لي شرف مُتابعة حلقة نقاشية نظّمها “المركز الثقافي الإسلامي”، كانت الأستاذة المصري ضيفة شرفها، فسمعتُ من الكلام العلمي الموزون، ما يمكن القول بأنّ هذه النوعية من السيدات “حرام” ألا يُمثّلن أهل بيروت تحت القبة البرلمانية، ليتماهى المستوى الفكري مع المخزون الأخلاقي، في ظل ثناء كل مَنْ يعرفها بأخلاقياتها ودورها على صعيد الدفاع حقوق الإنسان المُستميت، خصوصاً في ظل الهجمة التي تتعرَّض لها مع بدء العد العكسي صوب الاستحقاق الانتخابي المُقبل.
“البديل” تواصل مع الدكتور المبشر، وسأله عن أبعاد الحملة الممنهجة التي تتعرّض لها اللائحة، لاسيما من قِبل بعد أنصار “تيار المستقبل” وسواهم من الموتورين، فأكد أنّ “الشجرة المثمرة فقط تُرشق بالحجارة. خصمنا الفراغ والتداعيات السلبية لأي مُقاطعة”، مستدركاً: “لا أعرف ما إذا كانت الحملة ممنهجة أم لا، لكن طبيعة الانتخابات النيابية أنْ تضع اللوائح الانتخابية بعضها ضد بعض، وحتى ضمن اللائحة الواحدة هناك تنافس بين المرشّحين عليها”.
وتابع: “أما القول بأن أنصار “المستقبل” يستهدفون مع أنصار “حزب الله” لائحتنا، أي “بيروت تواجه”، فلا مجال للتعليق أكثر مما يعرفه الناس ويتابعونه، خصوصاً أنّ بعضاً من أنصار “تيار المستقبل” التزم بقرار الرئيس سعد الحريري عدم الترشّح، وهو لم يحل دونهم ودون التصويت، في حين قرّر آخرون عدم ترك الساحة فارغة وخالية أمام خصوم لبنان السيادة ولبنان الديموقراطي ولبنان الحرية ونحن منهم”.
وتوجّه المبشّر إلى “أهالينا من البيارتة الكرام وأبناء الأكارم، الذين لا يبيعون صوتهم الانتخابي مهما كانت الصعوبات المادية التي يمرون بها، وكلنا أملنا بأنْ يعمد أهل العاصمة إلى الاقتراع بكثافة، واختيار الكفوء والأنسب والأمين على حمل أمانة تمثيلهم على أتم وجه”، مستطرداً: “ولكن للأسف يبقى أنّ قلة قليلة من المُضطرين قد يلجأون إلى بيع أصواتهم الانتخابية”.
وردّاً على سؤال شدّد على أنّ أخطر ما قد يتم في زمن الانتخابات هو المس بالاستحقاقات الدستورية، لأنّ إلغاء الاستحقاق الانتخابي سوف ينتج عنه تدهور وتعميق الأزمة، وجعلنا على مهب التسويات الدولية والإقليمية”.
وإنْ كانت الكلام اقتصر على ثلاثة أعضاء من اللائحة، إلا أنّ الشيء بالشيء يُذكر “كلن يعني كلن” من خيرة مَنْ يمكن الركون إليهم ليكونوا خير ممثلين تحت برلمان 2022.



