
خالد خشفة
محلل وباحث سياسي
لبنان ليس اليوم أمام أزمة جديدة، بل أمام مشهد عارٍ يكشف الحقيقة التي حاولت السلطة دفنها: البلد بلا قرار، بلا سيادة، وبلا قدرة على حماية نفسه. إيران تطلق التهديدات نيابة عن حزب الله، وإسرائيل تلوّح بحرب واسعة، فيما ينتظر اللبنانيون ردّاً لا يعرف أحدٌ أين يُصنع… في بيروت أم في طهران؟ تهديد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس لم يكن عابراً؛ الرجل حدّد مهلة وأعطى إنذاراً: إذا لم يسلّم الحزب سلاحه نهاية العام، ستعود إسرائيل إلى لبنان بقوّة. وما يمنع الحرب ليس “توازن ردع”، بل غياب الضوء الأخضر الأميركي فقط. وبين التهديدات المتبادلة يظهر السؤال الأكثر فجاجة: عن أيّ سيادة نتحدث ودولة عاجزة حتى عن اتخاذ قرار بالتفاوض، فكيف بسحب سلاح الحزب أو تنفيذ الورقة الأميركية؟
اغتيال هيثم الطبطبائي جاء كصفعة أمنية قاسية أصابت حزب الله في عمقه. العملية لم تكن مجرد نجاح تقني، بل اختراق بشري واضح. خمسٌ وأربعون دقيقة فقط بعد دخوله مكتبه، وثلاث شقق متتالية لضمان قتله—هذه ليست حركة صاروخ ذكي فقط، بل معلومة داخلية فاضحة. الاغتيال كان رسالة تقول: البيئة الداخلية للحزب لم تعد محصّنة كما يدّعي. وعلى وقع هذا الاغتيال، اختارت إسرائيل لحظة حساسة لتعيد رسم قواعد اللعبة؛ فهي لا “تردّ” بل تفرض معادلات جديدة: إظهار القدرة على الضرب في العمق، التشكيك بقدرة الحزب على حماية قياداته، رفع الضغط قبل أي تفاهمات أميركية – إيرانية، وإدارة حرب نفسية تستهدف الداخل اللبناني. ثم يأتي تهديد كاتس ليؤكد أن الأمر ليس مجرد رسائل، بل إعلان نية حقيقية للحرب بانتظار لحظة سياسية مناسبة.
في المقابل، يبرز الدور الإيراني بوضوح أكبر من أي وقت مضى. علي أكبر ولايتي أعلن أن “وجود حزب الله أهم من الخبز والماء للبنان”، جاعلاً السلاح فوق الدولة، وفوق الشعب، وفوق السيادة. ولذلك لم يتردد رئيس الجمهورية في القول أمام الوفود الأجنبية: “من يريد وقف التصعيد… فليذهب إلى طهران”. عبارة تختصر مأساة وطن كامل: قرار الرد، وقرار التهدئة، وقرار التفاوض، وحتى قرار الحرب… كلها موجودة خارج بيروت.
على وقع هذا المشهد، توافدت الوفود الدولية إلى لبنان بوتيرة غير مسبوقة: أميركيون، أوروبيون، وعرب يركضون خلف خطر الانفجار. الجميع جاء ليقول الجملة نفسها: اضبطوا الإيقاع قبل أن تقع الحرب. لكن الحقيقة التي يعرفونها جميعاً هي أن الإيقاع لا تضبطه الدولة اللبنانية، بل الجهة التي تملك قرار الحرب والسلم.
في وسط هذا الانفلات، ظهر الدور المصري كنبرة العقل الوحيدة في زمن الجنون. وزير الخارجية بدر عبد العاطي حمل إلى بيروت رسالة واضحة:
▪︎ منع الضربة الإسرائيلية الواسعة.
▪︎ منع ردّ قد يشعل حرباً شاملة.
▪︎ دعم انسحاب إسرائيل.
▪︎ تعزيز دور الجيش.
▪︎ حماية الاستقرار اللبناني قبل سقوطه الكامل.
لم تأتِ القاهرة ببيانات شعرية، بل بموقف عملي وواقعي: الحرب في لبنان انتحار وليست خياراً.
لكن الأخطر من كل ما سبق هو تحوّل لبنان إلى ورقة تفاوض بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. عندما يصبح البلد ملفاً على الطاولة، لا طرفاً على الطاولة، تصبح كل مؤسساته في خطر. سيادته معلّقة بانتظار ثمن إقليمي، حدوده ساحة ابتزاز متبادل، وأمنه الداخلي جزءاً من مساومات كبرى. إيران تحتاج ورقة ضغط، وإسرائيل تريد مكسباً استراتيجياً، والولايات المتحدة تبحث عن صفقة… أمّا لبنان فهو وحده من يدفع الثمن: دماً، وحرباً، وانهياراً، ومستقبلاً معلّقاً.
أمام هذا المشهد، يظهر الموقف اللبناني الرسمي موحّداً للمرة الأولى منذ سنوات—لكن وحدة بلا أدوات. رفض التصعيد، والدعوة لوقف الاعتداءات، والمطالبة بالانسحاب الإسرائيلي… خطاب جميل لكنه بلا قدرة تنفيذية. إنها وحدة “موقف” لا وحدة “قرار”.
المشهد اللبناني اليوم صريح إلى حدّ الفضيحة: اختراق يهزّ بنيان الحزب، عملية إسرائيلية مهينة، وتهديدات إيرانية تصدر باسم لبنان، ووفود دولية تركض لإطفاء الحريق، وموقف رسمي موحّد بلا أدوات. يعود لبنان إلى موقعه القديم: ساحة تُدار معاركها من الخارج، ودولة تتلقى النتائج فقط.
ويبقى السؤال الحارق:
هل تملك الدبلوماسية القدرة على إطفاء نار اندلعت من مكتب في الضاحية… أم أن الشرارة انطلقت بالفعل، وما بقي إلّا أن ننتظر أين ستقف النيران؟
وما لم تستعد الدولة قرارها، سيبقى لبنان مجرد مساحة جغرافية تُدار فيها الحروب… لا دولة تُحترم على خرائط الدول.
