
خالد خشفة
محلّل وباحث سياسي
يقف لبنان اليوم على خط تماس بين انهيار داخلي واشتباك إقليمي واسع، فيما ترفض القوى السياسية الاعتراف بالمتغيّرات الجيوسياسية المتسارعة. وبينما تتمسّك السلطة بخطاب الإنكار، تتصرّف واشنطن وتل أبيب على أساس أن زمن التسويات الناعمة انتهى، وأن المرحلة المقبلة قد تشهد الانتقال الفعلي إلى الخطة ب: فرض الحلّ على سلاح حزب الله بالقوة إذا سقطت فرص التفاهم.
لم تنجح المبادرات المطروحة في تحقيق أي اختراق، لا في الانسحاب الإسرائيلي، ولا في حصر السلاح غير الشرعي، ولا في التهدئة الميدانية. فجاءت النتيجة على شكل تصعيد إسرائيلي مفتوح يقابله عجز لبناني مطلق عن اتخاذ إجراءات مقابلة:
▪ لا إجراءات أمنية
▪ لا رقابة مالية
▪ لا مكافحة لاقتصاد الكاش
▪ ولا خطوة واحدة في إعادة هيكلة المصارف كما طالبت وزارة الخزانة الأميركية
ورغم هذا الفراغ، تتصرّف السلطة وكأنها قدّمت كل ما يلزم لتخاطب الأميركيين بعبارة: “قمنا بما علينا… والباقي عليكم”. إنه تجسيد كامل لسياسة الهروب إلى الأمام.
الملف اللبناني في حضن طهران
في لحظة مفصلية، اختار الرئيس نبيه برّي إرسال مستشاره علي حسن الخليل إلى طهران لمناقشة الملف اللبناني، بعدما بات هذا الملف عملياً خاضعاً لصلاحيات مجلس الأمن القومي الإيراني. حتى البيان الذي وُجّه إلى الرؤساء الثلاثة كُتب في طهران ونُشر من الضاحية الجنوبية.
والسؤال اليوم: هل يمارس برّي ضغطاً حقيقياً على حزب الله لمنع انفجار الحرب، أم يترك الحزب يقود لبنان نحو مواجهة لا قدرة للدولة على تحمّلها؟
تقلب مواقف الحزب… مرآة التصعيد الإيراني
التغيّر المفاجئ في لهجة حزب الله عقب التصعيد الإيراني على لسان علي لاريجاني وعباس عراقجي يؤكّد أن القرار الاستراتيجي لا يُصنع في بيروت. فكل ارتفاع في السقف الإيراني يُترجم تلقائياً توتراً على خطوط المواجهة الجنوبية.
وفيق صفا، بعد اغتيال الطبطبائي، قال لقناة المنار: “حزب الله وحده الآن من يحدد كيفية الرد، لا الحكومة اللبنانية ولا غيرها”.
في المقابل، حاول رئيس الجمهورية جوزاف عون فتح باب تفاوضي بخطاب موجّه إلى الداخل والخارج، مذكّراً بأن لبنان دفع أثمان الصراع العربي – الإسرائيلي أكثر من أي دولة عربية أخرى، وأن “حزب الله بشقّه العسكري انتهى”. وأكد أن الأطراف الدولية “تأتي إليّ وهي تدرك هذه الحقيقة، لكنها تبحث عن نهاية مشرّفة ومخرج لائق”. إلا أنّ هذا الخطاب يبقى بلا فاعلية حين يكون القرار العسكري خارج سلطة المؤسسة اللبنانية.
خلاف “الميكانيزم”… بين التقني والسياسي
جوهر الخلاف يدور حول شكل وفد “الميكانيزم”:
– لبنان يريد وفداً تقنياً
– إسرائيل تدفع نحو وفد دبلوماسي موسّع يفرض واقعاً أمنياً وسياسياً جديداً
في الوقت نفسه، تُكثّف إسرائيل رسائلها النارية عبر غارات تهدف إلى الحدّ من حرية الحركة جنوب الليطاني، وإلى ضربات متدرجة لدفع الحزب نحو القبول بالشروط.
وإذا لم يستجب؟
التصعيد جاهز، وربما يتّسع ليطال أهدافاً غير مسبوقة.
إسرائيل: الدولة اللبنانية تخلّت عن وقف النار
ترى تل أبيب أن الدولة اللبنانية لم تنفّذ التزاماتها، خصوصاً في بند ضبط السلاح غير الشرعي. ومع الاتفاق الأميركي – الإسرائيلي على الانتقال إلى المرحلة الثانية، يبرز خطر استهداف مؤسسات الدولة نفسها:
المرفأ… المطار… البنى التحتية الحيوية…
فالحرب المقبلة قد لا تكون مواجهة بين إسرائيل والحزب فقط، بل حرباً تضرب عمق الدولة اللبنانية.
اغتيال الرجل الثاني في حزب الله… إشارة الخطة ب
اغتيال رئيس أركان الحزب هيثم الطبطبائي كشف هشاشة البيئة الأمنية، وأسقط الادعاءات حول قدرة الحزب على حماية قياداته أو فرض قواعد اشتباك ثابتة. الأخطر أنّ هذا الاغتيال يثبت أن إسرائيل والولايات المتحدة انتقلتا فعلياً إلى الخطة ب: حلّ المعضلة الأمنية في لبنان بالقوة لا بالتفاوض.
هذه ليست رسالة عسكرية فقط، بل إعلان أن زمن الاحتمالات المفتوحة بدأ.
الإصلاحات… الشرط الوحيد لتثبيت الاستقرار
الحقيقة التي لا تريد السلطة اللبنانية الاعتراف بها هي أن لا مستقبل للبنان بلا إصلاحات جدية وفورية:
1. إصلاح مالي جذري:
– إعادة هيكلة المصارف
– ضبط الكاش
– إصلاح المالية العامة
2. استعادة القرار الأمني
لا دولة بوجود سلاحين، ولا مفاوضات في ظل قرار عسكري خارج الشرعية.
3. التخلّي عن خطاب الإنكار لدى حزب الله
فالمرحلة المقبلة لا تحتمل لغة الشعارات. المنطقة تُعاد صياغتها، ومن لا يقرأ المتغيّرات سيُهمَّش أو يُعاقَب.
4. العودة إلى الواقعية السياسية
التسويات لم تعد خياراً دائماً، والقوة باتت جزءاً من معادلة الحل.
يقف لبنان اليوم أمام خيار مصيري:
إما إصلاحات تُوقف الانفجار،
وإما حرب تُفرض عليه من الخارج تحت عنوان الخطة ب.
وفي لحظة إعادة رسم الشرق الأوسط، يبقى السؤال الحقيقي:
لم يعد “هل نذهب إلى الحرب؟”
بل: هل بقي في لبنان من يستطيع منع الحرب قبل أن تُفرض بالنار؟
