شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

أحمد أمين قباني

في الذكرى الثانية والثمانين لاستقلال لبنان، نقف أمام محطةٍ وطنيةٍ تختصر معنى الكرامة والسيادة والإصرار. فهي ليست مجرد ذكرى تُرفع فيها الأعلام وتتكرّر فيها الكلمات ذاتها، بل هي لحظة تأمل عميق في المسار الذي سلكه وطنٌ وُلد من إرادة رجالٍ آمنوا بأن الحرية تُنتزع ولا تُمنح، وأن السيادة قرارٌ يصنعه الشرفاء مهما كان الثمن.

عندما نستعيد مشهد رجال الاستقلال عام 1943، نستعيد رجالًا امتلكوا شجاعة القرار، ورجولة الموقف، ونقاء النية. رجالٌ قاوموا بضعة أشهر لكن نَفَسهم بقي لعقود. رجالٌ اختلفوا في السياسة لكن اجتمعوا على الوطن. لم يكونوا ملائكة، لكنهم كانوا أصحاب مشروع واحد: دولة محترمة لشعب يستحق الاحترام.

واليوم، بعد 82 عامًا، نسأل أنفسنا:
هل لا يزال في حياتنا السياسية رجالٌ يُشبهون رجال الاستقلال؟
هل بقي في صدور زعمائنا ذاك النَّفَس الذي لا يُساوم ولا يهاب؟
وهل بقي من يقدّم لبنان على كل حساب، ويرى في الدولة ضمانةً لا غنيمة؟

لقد أصبحت حاجة لبنان اليوم إلى رجال استقلال أقوى من أي وقت مضى. فالوطن الذي يمر في أصعب مراحله الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لا يستطيع النهوض بشعارات فارغة أو بمواقف رمادية. إنما يحتاج إلى رجال ونساء دولة يمتلكون الإرادة نفسها التي امتلكها رجالات 1943:
إرادة التحرر، إرادة البناء، إرادة السير قُدمًا ولو وحيدين.

نحتاج إلى قادة يعرفون أن الاستقلال ليس حدثًا انتهى، بل مسارًا يبدأ كل يوم:
حين نرفض التبعية،
وحين نبني المؤسسات،
وحين نحاسب الفاسدين،
وحين نعيد للناس ثقتهم بدولتهم.

إنّ استقلال لبنان اليوم ليس بحاجة إلى خطابات جديدة، بل إلى نفوس جديدة. نفوس تُشبه ذاك الجيل الذي رفض الانتظار وقرّر أن يكتب مصير وطنه بنفسه. فإن كان رجال الاستقلال قد واجهوا الانتداب، فإن المطلوب من رجال اليوم مواجهة الفساد، والمحاصصة، واليأس، والاستسلام.

وفي هذه الذكرى العزيزة، ندعو كل مسؤول وكل زعيم وكل صاحب قرار إلى استعادة شيء من ذاك النفس العظيم… ذاك النفس الذي جعل لبنان وطنًا حرًّا سيدًا مستقلًا. ولعلّ لبنان، الذي لم يفقد يومًا إيمانه بقدرة أبنائه، يستحق أن نعيد إليه بعضًا مما أعطانا.

في عيد الاستقلال الـ82، نرفع التحية إلى رجال الأمس، ونرفع الأمل برجال الغد.فلعلّ في هذا الوطن من لا يزال قادرًا على حمل راية الاستقلال من جديد…
راية لا تُرفَع في الساحات فقط، بل في النفوس أوّلًا.

شاركها.