شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

طارق الحجيري

حين قال الديبلوماسي الأميركي توم براك في البحرين قبل أسابيع “إنّ لبنان دولة فاشلة تحكمها جماعة مسلحة وتفتقر إلى مؤسسات فاعلة” ثارت ثائرة جماعة الممانعة. كالعادة، لم يناقشوا مضمون الكلام، بل هاجموا قائله، واتهموه بالتآمر على لبنان لصالح اسرائيل، كأنّ المشكلة في اللسان الذي نطق لا في الجثة التي تفوح منها الرائحة.

الحقيقة البسيطة هي أنّ لبنان، لا يحتاج إلى مبعوث أميركي ولا غيره كي يصف واقعه. نحن نعيش فعلاً في جمهورية العفن، دولة بلا كهرباء، بلا قضاء مستقل، بلا اقتصاد، بلا كرامة مؤسسات، بلا أمن. بلدٌ تتقاسم فيه الطوائف ما تبقّى من أنفاسه، وتُدير فيه الأحزاب المرافق كأنها أملاك شخصية. أمّا المواطن، فصار عبئاً على السلطة، لا شريكاً في الوطن.

المفارقة الغريبة العجيبة أنّ الفريق الذي يرفع راية الكرامة الوطنية في مواجهة أميركا، هو نفسه من صادر القرار الوطني. فالمقاومة التي وُلدت بشعار مخادع ” حماية لبنان” تحوّلت إلى دولة داخل الدولة، تتحدث باسم الجميع وتقرّر مصيرهم، بينما تكتفي الدولة بدور المتفرج. وحين ينتقد أحد هذا الواقع، يُتهم فوراً بأنّه “عدو المقاومة” أو “أداة السفارات”.

الردود على كلام براك لم تكن سوى فصلٍ جديد من كوميديا الإنكار التي يعيشها لبنان. فبدلاً من الاعتراف بالفشل، جرى تحويل النقاش إلى معركة ضدّ التصريحات الصهيوأميركية المعادية، وكأنّ إنكار الحقيقة سيعيد التيار الكهربائي أو سيمنع استمرار انهيار الاقتصاد . لم يسأل أحد هل نحن فعلاً دولة؟ وهل تبقى من مؤسساتها ما يُمكن الدفاع عنه؟

العفن هنا ليس اقتصادياً فقط، بل أخلاقي قبل كل شيء. حين تُختزل الوطنية في الولاء لمحور، وحين يُبرَّر الفساد باسم الظروف، وحين يُمنع المواطن من السؤال، تتحول الدولة إلى جثّة محفوظة في ثلاجة الشعارات.

العفن هو أن نتعوّد على الفشل ونبرّره، أن نحتمي بالشعار من المحاسبة، وأن نقنع أنفسنا أن الظلمة قدر، والمهانة مقاومة وسعادة على طريق القدس.

لقد أصبح الدفاع عن “الممانعة” دفاعاً عن العفن نفسه. عن فشلٍ يختبئ خلف الخطب واليافطات. عن منظومة تدين للخارج تحكمها المصالح والخوف.

وحين يأتي صوتٌ من الخارج يصف الحقيقة كما هي، لا يجد اللبنانيون ما يردّون به سوى مزيد من الصراخ.

الأكيد أنّ المشكلة ليست في توم براك، بل في بعض اللبنانيين. في فئة مات ضميرها، استبدلت العقل بالهتاف، والحرية بالتبعية، والدولة بالشعار.

لبنان لم يعد بحاجة إلى من يصفه بأنه دولة فاشلة، بل إلى من يجرؤ على تنظيف العفن المتراكم فوق جدرانه.
وحتى يحدث ذلك، ستبقى “جمهورية العفن” جمهورية قائمة برعاية أهلها وصمت أغلبهم سواء لمصلحة أو لإدمان الذل.

شاركها.