نبيل أحمد شحادة
تطورٌ لافت وغير مسبوق اصاب مسار العلاقة التاريخية بين الولايات المتحدة وقيادة الجيش اللبناني، حيث قررت واشنطن إلغاء جميع مواعيد العماد رودولف هيكل في العاصمة الأميركية، والتي كان من المُقرّر فيها مناقشة المساعدات للجيش ومسارات خطة نشره في الجنوب.
القرار لم يكن مرتبطاً باجراءات بروتوكولية، بل جاء حازماً وسريعاً وعكسَ بشكلٍ صريح امتعاضاً كبيراً مما سُمي بمحاباة هيكل لحزب الله، والتردد الذي يُظهره في تنفيذ مقتضيات الالتزامات الدولية لسحبِ السلاحِ غير الشرعي من حزب الله وغيره. وزاد في ضبابية القرار أنه لم يصدّر تصريح رسمي أو مفصّل من وزارة الحرب أو الخارجية الأميركية يشرح الأسباب، مما ترك مساحة واسعة للتحليل والاستنتاج.
ما حصل شكّل سابقة فاجأت الجميع، وهي المرة الأولى التي تتعامل الادارة الأميركية بهذه القسوة، وهي أشبه وكأنها خلعت قفازاتها الناعمة في التعامل مع قائد الجيش. واشنطن كانت دائماً على علاقة استراتيجية خاصة مع المؤسسة العسكرية اللبنانية، وكانت تعتبرها حتى في أصعب المراحل وأحلك الظروف، الركيزة الأساسية للدولة اللبنانية، وشريك مميّز لا يخضع للانقسامات الطائفية، وهو الجهة الشرعية الوحيدة التي تملك التماسك والقدرات لحفظ الأمن والإستقرار، ويمنع سقوط لبنان كاملاً بين فكي المحور الإيراني.
مصادر سياسية أشارت إلى أن الامتعاض الاميركي أسبابه متعددة؛ فواشنطن تعتبر أن العماد هيكل يتجنب أي مواجهة سياسية أو أمنية مع حزب الله، حتى في مواضع تفرض عليه تطبيقاً دقيقاً للقرارات الدولية. وترى أيضاً أنه يسلك مساراً هادئاً أكثر من اللازم تجاه نفوذ الحزب في جنوب الليطاني، ويصلُ إلى حدِ تجاهلِ بعض المعطيات على الأرض، ولا يُحققُ أي تقدّم ملموس. وتابعت هذه المصادر بأن الإدارة الأميركية “لم تلمسْ أي تغيير جدّي في علاقة الجيش بالحزب يُمكن أن يعزّز سلطة الدولة، ومنها وقف العمل ببطاقات المرور التي تُمنح لعناصر الحزب وتسمح لهم بالعبور على حواجز الجيش دون تفتيش”، معتبرة أن هذا الأمر قد يُساهمُ في انهيار الثقة بقدرة الجيش اللبناني على ضبط الأمن وحصر السلاح ودعم سيادة وهيبة الدولة.
ومن الأسباب أيضا ما تبين لواشنطن في بيانات الجيش أنها تعتمدُ خطاباً يتجنّب الإشارة إلى السلاح غير الشرعي، وهو لب القرارات الدولية بدءاً من المنطقة الواقعة في جنوب الليطاني، وهو ما يتناقض مع المناخ الجديد الاقليمي والدولي في دعم الدولة وحصر السلاح بها بشكل جذري ونهائي.
القرار يُنظر إليه البعض على أنه إضعافٌ لدورِ العماد هيكل، وتثبيت اعتباره “قائدا مغضوب عليه اميركياً”، وهذا يُسبب الارباك له، ويُعطل أية طموحات مستقبلية ومنها الوصول إلى رئاسة الجمهورية.
وإذا اصرّت واشنطن على موقفها، وأعادت تقييم الأولويات، فهذا سيُعرّض ملف المساعدات العسكرية للبنان إلى مخاطر جمّة ورُبما التوقف كلياً عنها، وقد يتحول جيش لبنان من شريك غير مشروط إلى شريك يخضع لضوابط مشدّدة وتقييمات متواصلة قبل الاستفادة من الدعم الأميركي.
كما شكّل القرار الأميركي في جهة ثانية رسالةَ تحذير إلى الطبقة السياسية في لبنان، ومفادها أن الجميع دون استثناء اصبحوا تحت المراقبة، وأنه لا تسامح ولا تهاون ولا مناطق رمادية مع أية ميول داخل المؤسسات الشرعية للتطبيع أو التعاون مع حزب الله، على أمل أن يدعم ذلك الجهود لمقاربة أكثر حزماً وصرامة في تنفيذ القرارات الدولية في ملف السلاح غير الشرعي.
إلغاء زيارة العماد هيكل إلى واشنطن هو منعطف حقيقي في العلاقة بين الجيش اللبناني والولايات المتحدة والتي كانت لعقود طويلة تقوم على الثقة والوضوح والصلابة. وفي حال اهتزازها اليوم، فسيكون لذلك أثر كبير على الداخل اللبناني وما بقي له من فتات استقرار، وحتى على علاقات لبنان الدولية المترهلة، في وقت بدأت قوات اليونيفل تنفيذ خطط الانسحاب من جنوب لبنان على مراحل وتنتهي في نهاية عام 2026.
المطلوب اليوم من أركان الدولة الاستنفار السريع والتحرك بقوة وإعادة ضبط البوصلة السياسية، وإجراء سلسلة اتصالات واسعة لاستيضاح الصورة الكاملة، وكيفية التعامل مع القرار واحتواء تداعياته ونتائجه على الجيش، إضافة إلى ضرورة أن تُظهر الدولة التزاماً عملياً بالقرارات الدولية، وأن تمنح الجيش اللبناني الغطاء الكامل، وتستحضر الدعم العربي والدولي له ليقوم بمهامه كاملة في الجنوب وفي كل المناطق اللبنانية بلا ازدواجية أو مواقف وبيانات ملتبسة، في وقت يُدرك الجميع أن المساعدات الأميركية تُشكل منذ زمنٍ طويل العمود الفقري لقدرات الجيش من حيث التسليح والتدريب والتجهيز.
