
خالد خشفة
محلل وباحث سياسي
في لحظة يُعاد فيها رسم الشرق الأوسط على طاولة واشنطن والرياض وباريس، وفي وقت تعود فيه سوريا إلى قلب النظام الإقليمي بزيارة تاريخية للرئيس السوري إلى الولايات المتحدة ولقائه الرئيس ترامب في البيت الأبيض، يختار لبنان أن يغيب… أو أن يُغيَّب.
هي الزيارة الأولى للرئيس السوري منذ استقلال 1946، وإشارة أميركية واضحة بأن دمشق جزء أساسي من “الشرق الأوسط الجديد”، وأن ترامب قرر “بذل كل ما بوسعه لإنجاح سوريا” بوصفها ركيزة في التوازنات المقبلة.
وفي المقابل، يقدّم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مبادرة لإعادة الانتظام الإقليمي وانخراط إيران في نظام جديد، بعد ضرب إسرائيل لحماس في قطر وما أنتجه ذلك من قلق إقليمي وتسابق دولي على تثبيت قواعد اللعبة قبل اشتعال الجبهة الكبرى.
في هذا المشهد الهائل، يقف لبنان كعادته خارج السياق، يتعثّر بتصريحات ومواقف وارتباكات، فيما الدول تكتب مستقبل المنطقة بالحبر السائل.
بن سلمان – ترامب: حماية لبنان بعد تحصين سوريا؟
السقف السعودي كان واضحاً: لا تطبيع مع إسرائيل قبل مسار عملي لإقامة الدولة الفلسطينية. بهذا الشرط أعادت الرياض الإمساك بالملف الإقليمي ومنحت سوريا ولبنان فرصة مقاومة اندفاع بنيامين نتنياهو لرسم “شرق أوسط جديد”، كما يريده، مناطق مقسّمة وحدود رخوة.
والسعودية تتحرك بسرعة:
▪︎ احتضان سوريا الجديدة.
▪︎ ملء فراغ الانكفاء الإيراني.
▪︎ منع التفرد التركي ببلاد الشام.
▪︎ العودة إلى لبنان عبر دعم الحكومة وتمسكها بحصرية السلاح بيد الدولة.
وليس عبثاً أن يزور وفد سعودي بيروت لمناقشة حل أزمة الصادرات اللبنانية، وأن يزور مستثمرون ومسؤولون عرب مؤتمر “بيروت 1 – الثقة المستعادة”.
وليس عبثاً أن تكون باريس والرياض على تنسيق مستمر حول إعادة إعمار لبنان ودعم الجيش.
العالم يتحرك… إلا لبنان:
الفرصة تضيع وجمهورية تتصرّف كأنها بلا رأس.
ما كان ينقص لبنان سوى مشهد تقليد قائد الجيش وسام الأرز من رتبة الوشاح الأكبر بعد حادثة صخرة الروشة ورفع صور السيد حسن نصرالله.
الخطوة جاءت كردّ مباشر على رئيس الحكومة نواف سلام، حدثٌ بلا معنى وبلا توقيت وبلا مسؤولية، فظهر رئيس الجمهورية كمن يقلّد قائد الجيش سياسياً، لا كما يقلّده وساماً.
ثم جاءت الطامة الأكبر:
طلب قائد الجيش تعطيل العمل بقرار سحب السلاح غير الشرعي. قرار كان من المفترض أن يشكل بداية عودة الدولة، فإذا به يتحول إلى إعلان عجز رسمي.
وخلال الاجتماع الأخير بين قائد الجيش ومورغان أورتاغوس، شهد توتراً ملحوظاً بعدما اختصرت أورتاغوس اللقاء إثر تكرار هيكل عبارة “العدو الإسرائيلي”، كما أبدت انزعاجها من قرار تمديد مهلة حسم ملف نزع السلاح لشهر إضافي من دون أي تقدّم ملموس.
وبينما يغرق لبنان في صراعاته الصغيرة، إسرائيل “ترفع الصوت” بوقاحة علنية عبر تقرير بثته، حيث تؤكد هيئة البث الإسرائيلية أن الجيش يراقب تعزيزات حزب الله شمال الليطاني وبيروت.
▪︎ لبنان مكشوف.
▪︎ والدولة صامتة.
▪︎ والمؤسسة العسكرية في موقع لا تُحسد عليه.
واشنطن تغيّر موقفها: لبنان “عِلّة”
الجيش لم يعد استثماراً جيداً، وكلام رئيس الجمهورية عن “الذين يزورون أميركا ويبخّون السم” لم يمرّ مرور الكرام.
تقارير تُكتب في واشنطن بحق الرؤساء الثلاثة، وبشكل خاص جوزاف عون ونبيه بري، من كوادر محسوبة على أحد الأحزاب، زادت غضب الإدارة الأميركية.
منذ تلك اللحظة تغيّر المزاج الأميركي، فترامب لم يعد يهتم بلبنان، بل يعتبره “عِلّة” سياسية وأمنية لا تستحق إضاعة الوقت.
وجاءت الضربة الكبرى: إلغاء زيارة قائد الجيش رودولف هيكل إلى واشنطن، قرار عقابي صريح لا يحتمل التأويل.
واشنطن مستاءة وتعتبر أن الجيش لم ينفذ ما طُلب منه في ملف نزع السلاح، وأن لبنان يماطل منذ أشهر.
الولايات المتحدة تريد “فعلًا”، لا “أعذاراً”، بل ذهب السيناتور ليندسي غراهام إلى حدّ القول:
“الجيش اللبناني لم يعد استثماراً جيداً للولايات المتحدة”.
الهجوم في الكونغرس كان عنيفاً ومباشراً، وأعاد فتح النقاش حول وقف المساعدات العسكرية.
من رسائل مورغان أورتاغوس إلى صفعة واشنطن: لبنان يقترب من العزلة
زيارة وفد وزارة الخزانة الأميركية ومجلس الأمن القومي إلى بيروت كانت نقطة التحوّل.
التقى الوفد كبار المسؤولين والوزراء والنواب، وتعمّد تجاهل رئيس مجلس النواب نبيه بري، ونقل زوار بري قوله رداً على سؤال عن عدم لقائه بوفد الخزانة الأميركية بأن: “ليس عندي وقت، يمكنهم اللقاء مع المستشار علي حمدان”.
منذ ذلك اليوم، لا لهجة دبلوماسية هادئة، ولا رسائل ناعمة، ولا “تحذيرات لطيفة”، بل رسائل قاسية، ثم خطوة عملية: إلغاء زيارة قائد الجيش.
هذه ليست خطوة بروتوكولية، بل إنذار سياسي – عسكري – استراتيجي يحمل دلالات خطيرة:
▪︎ 90% من المساعدات العسكرية الأميركية للجيش مهددة.
▪︎ مؤتمر دعم الجيش في خطر الإلغاء.
▪︎ علاقة المؤسسة العسكرية بواشنطن في أسوأ حالاتها تاريخياً.
▪︎ لبنان يقترب من الخروج من “قطار التسوية” الدولي.
واشنطن تقول بصراحة:
“إما تنفيذ قرار نزع السلاح الآن، أو ابقوا خارج اللعبة”.
لكن هل يدرك المسؤولون في لبنان أن أي مواجهة داخلية تعني حرباً أهلية لا يخرج منها أحد؟
هل فهموا أن السيناريو الغزّاوي حاضر في ذهن الأميركيين والإسرائيليين، وأن واشنطن تريد “نزع السلاح بالقوة”، ولو كلف الأمر تفجير الداخل؟
هل يعي هؤلاء أن لبنان يقترب من العزلة الكاملة؟ الجواب واضح: لا.
لبنان يطفو فوق فوهة البركان والدولة ما زالت تتلهّى بالصغائر:
بين تحصين سوريا سعودياً – أميركياً، وغياب إيران التدريجي عن الساحة، وتحولات واشنطن ودينامية “الشرق الأوسط الجديد”، لبنان وحده يتراجع إلى الخلف.
▪︎ دولة عاجزة.
▪︎ قرار غائب.
▪︎ رئاسة مرتبكة.
▪︎ جيش محاصر سياسياً.
▪︎ طبقة حاكمة تكتب تقارير على بعضها في واشنطن.
▪︎ مؤسسة عسكرية تُحاكم.
لبنان اليوم أمام مفترق خطير:
إما الدخول في التسوية الإقليمية بشروط الحد الأدنى من الدولة، أو الخروج الكامل منها والسقوط في عزلة دولية – عربية لا عودة منها.
والمفارقة؟ أن قرار الإنقاذ بات خارج لبنان، لأن الداخل استقال من دوره منذ زمن
