راشد فتفت
في خضمّ الواقع الإعلامي وفوضى مواقع التواصل الاجتماعي العشوائية، تبزغ مسؤولية كبيرة على كاهل كلّ مواطن يحمل وسيلة اتصال، حيث أصبح الجميع يعلم ما يجري وما يدور حوله، وأصبح كلّ مواطن خبيرًا في السياسة رغم الفوارق في المستويات. من هنا، لا بدّ من معالجة معمّقة لكيفية الخروج من الانهيار الكبير على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ذلك الانهيار الذي وصلنا إليه بأيدينا، لأنّنا نحن ساهمنا، بل كنّا سببًا مباشرًا في تراجع الدولة وانهيارها.
إن أردنا الخروج من هذا النفق المظلم، فعلينا أن نفهم أولًا أنّ الدولة هي الشعب، وهي كلّ مواطن، وهي خيار نصنعه بقرارنا، ونتحمّل مسؤوليته إن أصبنا أو أخطأنا.
لذلك، كفى إلقاءً للمسؤولية على غيرنا، فالتغيير يبدأ من المواطن صعودًا إلى كلّ مسؤول. “كما تكونوا يُولّى عليكم”، و”هذا بما صنعت أيديكم”.
ولا يحقّ لأحد الاعتراض على أداء الدولة، لأنّ كلّ مواطن مسؤول، وكلّ من ينتقد مسؤول، وكلّ من يقرّر مسؤول، وكلّ من يفكّر مسؤول… كلّنا مسؤولون عمّا وصلنا إليه.
جميعنا يتحدّث عن المظلومية، ويتّهم المسؤولين من رأس الهرم إلى أدناه، وننسى أنّنا نحن المعنيون. فقبل كلّ انتخابات—أكانت اختيارية أم بلدية أم نيابية—نرى الجميع ينتقد ويعترض ويتّهم، حتى المحازبين والمقرّبين من المواقع السلطوية.
ثمّ، وللأسف الشديد، تأتي الانتخابات فننسى جميعًا أنّ أداء من اخترناه كان مخزيًا إلى أقصى الحدود، ولم يقدّم شيئًا لأمّته ووطنه سوى مزيدٍ من التراجع، إن لم نقل أكثر.
أكثر من ثلاثين سنة ولم نتعلّم… انهيار وراء انهيار، وعقم سياسيّ قلّ نظيره، وحصرية سياسية لشخص أو عائلة، وتوريثٌ للابن فابن الابن، رغم كثرة الكفاءات.وبعد ذلك نتنصّل من المسؤولية.
نحن المسؤولون وليس هم. كلّ ما أصابنا ويصيبنا إنما هو بما صنعت أيدينا. لقد تخلّينا عن حقّنا في التعبير، وعن النصيحة، وعن قول كلمة الحقّ أمام سلطان جائر، حتى ظنّ السلطان والجائر أنّه على حق.
إن أردنا أن تتحسّن أحوالنا، وأن نبني دولة المؤسسات، دولة الحقّ والعدل، دولة قادرة وقوية، فعلينا أن نقتنع بأنّنا نحن من نصنع السياسة والسياسيين الذين يشكّلون أساس الدولة، لا العكس. فالدولة هي الشعب، وإذا صَلُح الشعب صَلُح المسؤول، وإذا صَلُح المسؤول صَلُحت الدولة، وأصبح وطنُنا وطنًا عزيزًا كريمًا.
