شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

ولاية إيلي خوري النيابية في الميزان

أحمد الأيوبي

تعرّض النائب إيلي خوري لسلسلة حملات تضمّنت التشكيك ومحاولة الإزاحة السياسية وصلت إلى حدود القدح والذمّ في مواقع تمشي “عكس السير”، جاءت على خلفية ثلاث استطلاعات للرأي أظهرت أنّ خوري حقّق تقدماً بخمس نقاط وحلّ الأول مسيحياً بأرقام عالية، لأنّه كان يعمل على موجة التواصل المباشر مع أبناء طرابلس بعيداً عن الضجيج والمبالغات الإعلامية، وهي الموجة التي لا تلتقطها أجهزة التشويش والتخريب، وفي هذا الخضمّ أصدر حزب القوات اللبنانية بياناً يؤكِّد مكانة خوري في المعادلة الحزبية والسياسية، لكنّ ما جرى يستدعي فتح النقاش حول موقعه في طرابلس وتقديم مقاربة موضوعية لعمله وولايته النيابية.

 

خوري.. ابن القبة

جاء انتخاب النائب إيلي خوري عن المقعد الماروني في طرابلس نتاج خلطة من العوامل السياسية والاجتماعية ولم يكن يكن عملية رقمية محسوبة أو تحالفاً آنياً ينتهي بعد الانتخابات النيابية، فقد حمل هذا الانتخاب معالم مختلفة عن كل الذين سبق أن احتلوا هذا المقعد بعد العام 2005 من العابرين الذين كانوا يعتبرون المقعد الماروني رقماً إضافياً في كتلتهم النيابية فلم يحمل أولئك النواب الانتماء والهمّ والحرص على طرابلس وقضاياها.. بينما جاء ايلي خوري من قلب الفيحاء، فهو ابن القبة الذي عاش وفيها وحافظ على صداقاته وصِلاته بأبنائها حتى وهو خارج لبنان، والأهمّ أنّه بتواضعه وحسن تواصله مع كلّ من يلتقيه، يترك بصمة وتفاعلاً إيجابياً ممزوجاً بثقافة وتراث المدينة..

ماذا أنجز نائب القوات؟

تعرّض خوري إلى حملات تحاول الإيحاء بأنّ لم يفعل شيئاً لطرابلس، وهذا كلام يسهل رميه في فضاء وسائل التواصل، لكنّ واقع الحال يشير إلى أنّ الأمر لم يكن كذلك، فهل استطاع ايلي خوري تحقيق ما كان الطرابلسيون ينتظرونه منه؟

هذا السؤال هو التحدي الجوهري الذي تتركّز عليه الأنظار اليوم.. وفي مقاربة أولية يمكن القول إنّ أحداً من نواب المدينة لم يُنجز شيئاً يُذكر على مستوى مشاريع طرابلس المعطلة، تشريعياً وتنموياً، لأنّ الدولة بذاتها كانت معطلة، ووقع فراغ حكومي طويل، لكن يُحسَب لخوري أنّه لم ينقطع عن المدينة، في وقت غاب بعض النواب عنها بشكل مستفزّ، واليوم عادوا ببعض التصاريح والحركات الدعائية من دون أن يتعبوا أنفسهم في مراجعة ولايتهم التي أقفلوا فيها هواتفهم وغابوا عن الناس..

 

أطلق ايلي خوري مبادرة لمساعدة طلاب المدارس بالتعاون مع المرجعيات الدينية الإسلامية والمسيحية، فشملت أعداداً كبيرة في ذروة أزمة الانهيار المالي، وكان لها أثر حقيقي في تأمين صمود الأهالي والطلاب خلال تلك المرحلة الصعبة، خاصة أنّها اعتمدت معايير اجتماعية وإنسانية وطرابلسية تشمل تغطية السنة الدراسية وبناء شبكة علاقات داعمة لا تتعلّق بالمصالح فقط، بل بالانتماء العميق لطرابلس المجتمع والسياسة معاً.

تابع ايلي خوري وفريق القوات اللبنانية قضايا أبناء طرابلس وكانت هناك خدمات ومساعدات ومتابعات في الكثير من المجالات بعيدة عن الإعلام، وهذا ما رفع حضور نائبها خمس نقاط في ثالث استطلاع رأي من الاستطلاعات الرصينة التي تسبق الانتخابات النيابية والأول مسيحياً، فقياساً إلى سلوك معظم النواب الغائبين، كان حضور خوري ومنسقية القوات حضوراً هادئاً وثابتاً ينساب في نسيج طرابلس ويُنتج آثاراً عملية في حياة الناس.

 

هل يمكن النظر بعين الرضى إلى ما قدّمته القوات اللبنانية لطرابلس من خلال تمثيلها النيابي؟

لا يمكن القول إنّ عمل خوري والقوات خلال الفترة الماضية كان مثالياً، فقد تخلّلته ثغرات لا يمكن تجاهلها، وأبرزها غياب اهتمام كتلة القوات وقرارها المركزي عن طرابلس فكان يُنتظر منها اندفاعة أكبر نحو قضايا المدينة، خاصة فيما يتعلق بالحقوق التنموية والإنسانية وهذان مجالان تُبدع فيهما القوات اللبنانية، لكن لم يظهرا في السلوك العام للكتلتين النيابية والوزارية.

هذا مع الإشارة إلى أنّ وزراء القوات في حكومة الرئيس سعد الحريري الأخيرة حققوا تفاعلاً يُحسب لهم وأنجزوا نقاطاً تراكمية جيدة في مجالي الصحة والشؤون الاجتماعية في طرابلس وغيرها بشفافية بعيدة عن الشبهات والفساد.

لكنّ الملاحَظ في حكومة الرئيس نواف سلام أنّ وزراء القوات انكبّوا على ملفاتهم الوزارية ولم ينفتحوا بالدرجة المطلوبة ولم يتحرّكوا نحو طرابلس والشمال عموماً، رغم أنّ الفرق الوزارية وخاصة في وزارتي الطاقة والصناعة تتابع بشكل جيد الطلبات التي تردها، لكنّ المشهد السياسي الكبير وفتح ملفات طرابلس العالقة في الدولة لم يحصل بعد بالشكل الكافي.. وخاصة في مجال حقوق الإنسان والحقوق التنموية، وهذه إشكالية يجب تداركها وإلاّ ستكون عنصراً سلبياً في الحصاد الانتخابي.

 

هل تحتاج طرابلس نائباً عن القوات اللبنانية؟

إنّ استبدال نائب القوات اللبنانية في طرابلس بأيّ جهة سياسية أخرى سيكون خسارة واضحة للمدينة، لأنّه رغم التقصير الحاصل في الولاية الانتخابية لنائب القوات، وبغضّ النظر عن الأسباب والمبرِّرات التي يمكن سوقها للدفاع عن هذه التجربة، غير أنّ تثبيت نائب للقوات عن طرابلس له أهمية جوهرية، خاصة في المرحلة المقبلة، فالقوات هي الحزب الذي يشقّ طريق المستقبل في الدولة وهي الحزب الأقرب في المواقف السياسية إلى السنة وإلى الحالة السيادية عموماً.. في حين كانت التيارات المسيحية المضادة على الطرف النقيض لأهل السنة، والقوات تملك من التجارب والقدرات ما يجب نقلُه إلى طرابلس على مستوى المجتمع المحلي في مجالات التنمية، والقيام بخطة واضحة مدروسة في هذا المجال.

كما أنّ القوات اللبنانية بشراكتها مع السنة تؤمِّن ظهيراً وطنياً يحميهم من العزل والشيطنة، وهي ببُعد علاقاتها الخارجية تساعد في تعزيز مكانة طرابلس سياسياً وتنموياً، ولكنّها بحاجة إلى العمل المؤسساتي الدؤوب لتُعطي أبناء طرابلس المزيد من الثقة بأنّ الولاية النيابية المقبلة ستكون وفق سياسة تبنّي الكتلة النيابية والوزارية للقوات اللبنانية لكلّ قضايا طرابلس وأبنائها.

وفوق كلّ هذا، فإنّ القوات اللبنانية هي قوّة ناخبة ثقيلة الوزن في دائرة طرابلس المنية الضنية، فلديها كتلة ناخبة صلبة تربو على الخمسة آلاف صوت من أبناء هذه الدائرة، وهذا يخوِّلها أن تكون لاعباً لا يمكن تجاوزه في الانتخابات وفي السياسة.
لم تكن ولاية ايلي خوري النيابية مثالية، لكنّها لم تكن سيئة كما يريد خصوم القوات أن يشيعوا، لكن لا شكّ أن المطلوب أكبر وأفضل مما جرى حتى الآن.

شاركها.