
سراء عمر طراد
حين أصدر رئيس الحكومة نواف سلام قرارًا بوقف العمل بوثائق الاتصال، اعتقد الجميع أنّ صفحة من التعسّف الأمني ستُطوى أخيرًا. لكن الصدمة كانت أكبر ممّا توقّعوا: الأجهزة الأمنية قرّرت ألّا تلتزم.
وثائق الاتصال لم تعد مجرّد ملفات قديمة… إنّها سلاح قادر على تحويل أيّ شاب إلى مشتبه به، إلى إرهابي، إلى رقم في ملف لا أحد يعرف مصدره. القانون لا يفرّق بين طائفة وأخرى، لكن الأثر واحد: حياة تُقفل، مستقبل يُسرق، ويأس يدفع الشباب إلى الطريق الخطأ.
زمن انتهى… والأجهزة ما زالت عالقة فيه
الوثائق تعود إلى زمن الوصاية السورية، حين كان التقرير الهاتفي أقوى من أيّ محكمة أو مجلس نيابي.
اليوم، سوريا تغيّرت، ورئيسها يلتقي رؤساء العالم ويستعيد موقعه الدولي تدريجيًا، أمّا لبنان؟ فبعض أجهزته تصرّ على العمل بعقليةٍ تعود إلى عشرين سنة مضت، وكأنّ التاريخ لم يتحرّك.
النتيجة: قرارات الحكومة تصبح مجرّد ورقة بلا وزن، والشباب يدفعون الثمن مباشرة.
سلام يهزّ الأجهزة… ويفتح باب الحرية للمواطنين
وقف وثائق الاتصال لم يكن خطوة تقنية، بل إعلانًا سياسيًا وسياديًا: الدولة تقول للجميع إنّه لا جهة فوق القانون.
لكن ما حدث يكشف الحقيقة الصادمة: بعض الأجهزة تعمل خارج القانون، وخارج الحكومة، وخارج القضاء، وكأنّها سلطة مستقلة.
فصارت الوثيقة أداة لفرض النفوذ، لا لفرض الأمن.
حياة الشباب على المحك
ربط الوثائق بالمادة 303 (التعامل مع العدو) يحوّل كلّ شاب يرد اسمه فيها إلى “مشتبه بالإرهاب”، من دون محاكمة، ومن دون دليل، ومن دون حقّ الرد.
ورقة واحدة قادرة على:
منع السفر
إغلاق أبواب العمل
دفع الشباب إلى اليأس
جرّهم نحو الطريق الخطأ
ويبقى السؤال:
من المستفيد من خلق بيئة مصنّفة “إرهابًا”؟
ومن الذي يحتاج أن يبقى المواطن في دائرة شبهة دائمة؟
لبنان يحتاج تحريرًا مؤسساتيًا
الوصاية انتهت. سوريا تغيّرت. العالم تغيّر.
لكن لبنان، وبسبب عقلية بعض الأجهزة، ما زال يعيش أرشيف القمع القديم.
قرار الحكومة موجود، لكن تطبيقه غائب، والشباب يدفعون الثمن.
إذا كانت ورقة واحدة قادرة على تدمير حياة، فكيف نتحدث عن دولة قانون؟
وأي دولة هذه التي تسمح بوجود إرهاب اجتماعي من صنعها؟
الفضيحة ليست فقط في الوثائق نفسها، بل في منظومة ما زالت تعتقد أن الزمن لم يتحرك… وأنها فوق القانون
فإذا كانت ورقة واحدة قادرة على تحويل حياة شاب إلى جحيم، وقرار رئيس الحكومة نفسه لا يُنفّذ، فماذا يبقى من الدولة؟ ومن يملك الجرأة لإنقاذ مستقبل شباب لبنان قبل فوات الأوان؟
