شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

خاص _القرار

شكّلت انتخابات نقابة المحامين في بيروت أكثر من استحقاق نقابي؛ كانت زلزالًا سياسيًا داخل الشارع السنّي، وجرس إنذار مدوّيًا لقيادة تيار المستقبل، وتحديدًا لأحمد الحريري، الذي تلقّى في هذا اليوم أقسى صفعة من نخب سنية كان يعتبرها يومًا ما خزّانه الطبيعي.

سقوط الزعامات الطائفية والوصاية

فالنتائج لم تُهزم فيها الطوائف ولا المحامون السنّة أو الشيعة، بل هُزمت فيها القيادات التي توهّمت أنها تمثلهم: المستقبل عند السنّة، والثنائي عند الشيعة. هذه الانتخابات أسقطت معادلة الزعيم والوصاية، وأعلنت بوضوح أن زمن التصويت الأعمى انتهى، وأن الطائفة السنيّة دخلت رسميًا مرحلة القرار الحرّ.

تعافي الوعي السنّي وصعود الاستقلالية

منذ أن أخرج سعد الحريري نفسه من الحياة السياسية، كانت الطائفة السنيّة تتعافى بصمت من إرث التبعية السياسية. أمّا اليوم، فقد ظهرت نتائج هذا التعافي بأوضح صورة: لم تعد هذه الطائفة تصوّت كما يشاء الزعيم أو من نصّب نفسه قائدًا بغياب القيادة الأصلية. لم تعد سلعة للبيع أو ورقة للمقايضة. السنّة اليوم يمتلكون كوادر مستقلة، شخصيات حرّة، ومحامين قادرين على اتخاذ قرارهم بعيدًا عن أي وصاية أو ضغط. وهذا ما ظهر جليًا في مواجهة محاولة المستقبل جرّهم إلى تحالفات غريبة، هجينة، وطاعنة لوجدانهم السياسي.

خطأ المستقبل وتحالفات الصدمة مع الممانعة

لقد أخطأت قيادة المستقبل، في مرحلة التعليق أو الغياب، عندما اعتقدت أنّها قادرة على استخدام النقابة جسراً نحو تسوية مع محور الممانعة. فدفعت باتجاه تحالف مع حزب الله، الحزب القومي، البعث، والتيار الوطني الحر… وكأنّ ذاكرة السنّة بلا ذاكرة. وكأنّ نخبها نسيت من أحرق تلفزيون المستقبل، ومن فجّر مسجدي التقوى والسلام.
تحالفات بهذا الحجم من التناقض اعتُبرت إهانة لمن كانوا في الصفوف الأمامية ضد هذه القوى، فجاء الردّ قاسيًا: لا كبيرة في صندوق الاقتراع.

كواليس التحالفات وارتباك المستقبل

وفي هذا السياق، أشارت مصادر خاصة لموقع “القرار” إلى أنّ “القوات اللبنانية عرضت على تيار المستقبل، في انتخابات النقابة، التحالف عبر تبادل الدعم بين الطرفين، إلا أنّ المستقبل رفض، وظلّ يماطل حتى الليلة الأخيرة بسبب خلافات داخلية حول التحالف مع “القوات”. وقد أدّى عدم حسم خياره حتى وقت متأخّر إلى إضعاف موقفه داخل تحالف يضم كتلة سياسية مليئة بالتناقضات وغير منسجمة”.

المحامون السنّة رأس حربة التغيير

وفي هذا المشهد، ظهر المحامون السنّة رأس حربة هذا التغيير. رفضوا بيع أصواتهم، رفضوا أن يكون قرارهم في جيب أحد، ووقفوا بوعي وشجاعة أمام خيارات تعتبر بالنسبة إليهم نقيضًا كاملًا لكرامتهم السياسية. قالوا إن صوت السنّي ليس للبيع، وإن القرار ليس ملكًا لوريث تنظيم يظن أنه قادر على اختصار طائفة بأكملها بقرارات فوقية. هؤلاء المحامون جسّدوا الوعي الجديد الذي يتشكل داخل الطائفة: وعي المواجهة المسؤولة، والاستقلالية، وعدم الخضوع لأي زعامة فقدت بوصلتها.

أزمة داخلية تضرب تيار المستقبل

هذا التحوّل لا يمكن فصله عن الأزمة الداخلية العميقة داخل تيار المستقبل. فالكوادر القديمة التي حملت نهج رفيق الحريري، وجدت نفسها أمام قيادة اتخذت خيارات فردية، همّشت الكفاءات، وتبنّت تحالفات ناقضة لتاريخ التيار وبيئته. ومع غياب الشرعية القيادية وانقطاع الصلة بين القيادة والقواعد، تحوّلت انتخابات النقابة إلى أول فرصة حقيقية للتعبير عن الرفض والتمرّد والانفصال عن الخط الجديد الذي يمثله أحمد الحريري.

صحوة سنّية تعيد رسم المشهد اللبناني

كما لا يمكن تجاهل المناخ السنّي العام في لبنان. هناك صحوة حقيقية: رفض للتهميش، رغبة في استعادة الموقع الطبيعي، وإرادة في التحرّر من القيود القديمة. نقابة المحامين كانت المرآة التي عكست هذا التغيير بأفضل صورة، لأنها تضم النخبة الأكثر وعيًا وقدرة على قراءة المشهد السياسي من دون عاطفة أو تبعية.

انهيار القدرة التعبوية للمستقبل

والأهم أنّ الانتخابات كشفت حجم تراجع القيادة المستقبلية، التي فشلت في ضبط القاعدة المهنية التي كانت يومًا ما محسوبة عليها. غابت القدرة على توحيد الصفوف، وضاعت قوة التعبئة التقليدية، وظهر التيار على حقيقته: تيار فقد تأثيره التنظيمي والشعبي، وعاجز عن فرض قراره حتى داخل بيته.

خريطة جديدة للسنّة في الانتخابات المقبلة

ما جرى في نقابة المحامين ليس تفصيلًا. إنه خارطة طريق لما سيحدث في الانتخابات النيابية المقبلة. الخريطة السنيّة تُعاد صياغتها، والوجوه القديمة لم تعد تملك الشرعية، والوعي الجديد أصبح أقوى من كل محاولات الاحتواء. لقد أشرقت شمس التغيير السنّي، ولا إصبع أحمد الحريري ولا إصبعان قادران على حجب نورها.

انتفاضة المحامين السنّة واستعادة القرار

انتفاضة المحامين السنّة لم تكن حدثًا نقابيًا، بل إعلانًا صريحًا بأن الطائفة استعادت قرارها، وأنها لن تعود إلى زمن الوصاية. إنه سقوط واضح لخيار أحمد الحريري، وصعود وعي جديد يُعيد رسم معادلات القوة داخل الطائفة السنيّة وفي لبنان كله.

وهم القوة في انتخابات نقابة المحامين شمالا

تفاخر أحمد الحريري بفوز تيار المستقبل في انتخابات نقابة المحامين في الشمال، رغم أنّ النقيب مروان ضاهر حظيَ بدعم من مختلف القوى السياسية، ما يعني أنّ هذا الدعم لا يمكن أن يشكّل معيارًا لتحديد الجهة الأقوى التي أوصلته.

والجدير بالذكر أن تيار المستقبل لا يزال ممسكًا بالقرار العميق داخل نقابة المحامين في طرابلس والشمال، إذ يتدخّل بشكل دائم في امتحانات القبول، فيما تدين أعداد كبيرة من المقبولين بالولاء له، ما يضمن له كتلةً ثابتة تصوّت لصالحه داخل النقابة. وهذا الواقع يشير إلى أنّ الوساطة ما زالت تتحكّم بآلية دخول المحامين إلى النقابة، الأمر الذي يستدعي محاسبة فورية.

شاركها.