
خالد خشفة
محلل وباحث سياسي
الظلم الممنهج ضد ذوي الإعاقة:
أي ظلم أكبر من أن يتحول المعوق في هذا البلد إلى “ملف” يُفتح أو يُقفل بحسب الجهة التي ينتمي إليها أو نوع الحادث الذي أصابه؟ كيف يمكن لوزارة يُفترض أن تكون الراعي الأول لحقوق ذوي الإعاقة أن تتغاضى عن فئة وتمنح فئة أخرى، فقط لأن ظروف الإصابة لا تُناسب مزاجًا سياسيًا أو حسابات حزب؟
التمييز هنا لا يقتصر على نوع الإعاقة أو الحاجة، بل يشمل العمر والانتماء وطبيعة الحادث. المعوق الذي دافع عن الدولة، أو أصيب في حادث سير، أو تعرض لحادث أمني، يُترك بلا أي بدل، بينما يُمنح آخرون كل الحقوق والبدلات لمجرد انتمائهم إلى جهة سياسية معينة.
هل يُعقل أن يصبح سبب الإعاقة معيارًا للإنصاف؟ هذا تصنيف مهين يفرّق بين أشخاص متساوين في الألم والاحتياج والكرامة، ويحوّل الحق الطبيعي إلى جائزة سياسية. ما يحدث ليس مجرد سوء إدارة، بل اعتداء أخلاقي صارخ على المساواة، وتواطؤ صامت على ظلم يطال شريحة لا تملك سوى صوتها لتصرخ.
الإعاقة ليست بطاقة تعريف حزبية، ولا سببًا لتفضيل أحد على آخر
الاستثناءات التي قررتها وزيرة الشؤون الاجتماعية تكشف عمق التمييز السياسي: جرحى «البيجر» والمرفأ استثنوا من شرط السن، وتم منحهم البدل النقدي، بينما يُحرم جرحى الجيش والقوى الأمنية والمعوقون الناتجة إعاقتهم عن حوادث أمنية أو حوادث سير أو الإعاقات الولادية من حقهم في الدعم.
هذا التمييز لا يتوقف عند مجرد حرمان مالي، بل يتجاوز ليصبح إهانة معنوية، حيث يُحرم المعوق من كرامته الإنسانية ويُوضع في خانة “من لا يستحق”، فقط لأن ظروف إصابته لا تتوافق مع “السلطة”.
الأمر أكبر من خطأ إداري أو تقصير، إنه سياسات ممنهجة تهدف إلى التحكم بالحقوق وتحويلها إلى أدوات ضغط سياسي، بحيث يصبح الدعم المالي والبدلات الاجتماعية وسيلة لفرض الولاءات وخلق تمييز ممنهج بين المواطنين.
حجم الإعاقة في لبنان وأبعاد التمييز
ذوو الإعاقة يشكلون بين 10–15% من السكان اللبنانيين. رغم هذا العدد الكبير، فإن وزارة الشؤون الاجتماعية وبرامج الدعم لا تغطي إلا جزءًا محدودًا. برنامج البدل النقدي الوطني (NDA) يستهدف نحو 20,000 شخص فقط بمبلغ 40 دولارًا شهريًا.
هذه الأرقام توضح أن البرامج الحالية لا تفي بالاحتياجات، وأن الاستثناءات السياسية تضاعف الظلم الذي يطال فئات واسعة من ذوي الإعاقة.
الإقصاء الممنهج في وزارة الشؤون الاجتماعية:
لقد تحوّلت الوزارة من مظلة حماية إلى بوابة انتقائية تُدار بالمحاباة لا بالمعايير. البدل النقدي الذي وُعد به المعوقون كحق صار أداة إقصاء للفئات بين 30 و60 عامًا، وكأن الإعاقة لها “تاريخ انتهاء” تحدده الجهة المانحة.
من يملك الصوت والنفوذ يُمنح، ومن لا يملك يُدفن ملفّه تحت عنوان “الإجراءات”، وهكذا تُدار الحماية الاجتماعية في لبنان. أفضليات غير مبرّرة وحرمان مستمر لمن يحتاج الدعم فعلاً.
هذه السياسة لا تؤذي المعوقين فقط، بل تهدد ثقة المواطنين بالدولة نفسها، حيث يختلط العدل بالسياسة ويصبح الحق مرهونًا بالانتماء، بينما يُقوض أي مفهوم للعدالة الاجتماعية.
وهذا التمييز يترك آثارًا عميقة على حياة ذوي الإعاقة:
▪︎ يحرمهم من دعم ضروري لتأمين احتياجاتهم الأساسية.
▪︎ نفسيًا ومعنويًا: الإحساس بالتمييز والإقصاء يفاقم شعورهم بالظلم والهامشية.
▪︎ اجتماعيًا: يخلق فجوة بين فئات المعوقين، ويكرس الانقسامات على أساس الولاءات السياسية.
الدعم الاجتماعي يجب أن يكون حقًا، وليس امتيازًا لمن يملك النفوذ أو الانتماء السياسي. كل يوم يُترك فيه ذوو الإعاقة بلا حماية، يزداد الظلم عمقًا، ويزداد الضرر على المجتمع ككل.
وكل يوم يمرّ، والصمت مستمر، يُعمّق الظلم ويحوّل الدعم الاجتماعي إلى أداة تمييز سياسي. جرحى الجيش والقوى الأمنية وباقي المعوقين يُحرمون، والفئة “المدعومة سياسيًا” تُمنح حقوقها بالولاء فقط. هذا ليس مجرد خطأ إداري، بل جريمة موصوفة بحق الإنسان والعدالة.
وإلى الدول المانحة: الأموال التي أُرسلت لحماية ذوي الإعاقة تُستغل اليوم لتكريس الولاءات والسيطرة السياسية، لا لدعم الفئات المستحقة.
