عندما تتحول شركة نظافة إلى أزمة… لافاجيت نموذج للفشل المزمن
عامر خضر آغا
تعيش طرابلس منذ سنوات أزمة نفايات مستفحلة، تحوّلت من مشكلة يومية إلى كارثة بنيوية تهدّد صحّة السكان وتشوّه ملامح المدينة. ومع كل هطول للأمطار، يتكشّف عمق الخلل البيئي والإداري، ويتحوّل المطر من نعمة إلى نقمة، فتنفجر الأزمة في شوارع المدينة ومجاريها.

ابتزاز متكرّر قبيل المناقصات
منذ سنوات، تعتمد شركة “لافاجيت سياسة” الضغط والابتزاز عبر إيقاف أعمال الجمع أو التهديد بوقفها كلما اقترب موعد مناقصة جديدة أو طُرح ملف التجديد على الطاولة. وعادت الشركة اليوم إلى الأسلوب ذاته، معلّقة عملياتها في طرابلس ومدن الفيحاء للضغط على الاتحاد كي يمدد لها العقد السابق، وهو ما رفضه الاتحاد صراحة في بيانه الأخير، معتبرًا أن الشركة لا تحظى بأيّ غطاء من وزارة الداخلية أو من المجلس البلدي أو من أهالي المدينة.
الا أن “لافاجيت” لم تقف عند حدود الامتناع عن العمل، بل مارست ضغوطًا مباشرة على ثلاثة رؤساء بلديات لمنعهم من حضور جلسة فضّ العروض الخاصة بمناقصة جديدة، ما دفع الشركات المتقدمة إلى الانسحاب خوفًا من غياب الضمانات المالية، الأمر الذي يُبقي لافاجيت المستفيد الأول بحكم الأمر الواقع ويتيح لها تمديد عقدها ريثما يُبتّ بحل بديل.
دفتر شروط صارم
وفي هذا السياق شدد رئيس لجنة الحدائق والوسطيات في بلدية طرابلس سامر خلف، على أنه “يجب الضغط على الشركة التي ستفوز بالمناقصة لتحسين أدائها وتجاوز العقبات الناتجة عن رمي النفايات من قبل المواطنين، وهنناك خطة مستقبلية قيد التنفيذ، ستكون أكثر تطوراً من السابقة وتتضمن دفتر شروط جديد وقوانين صارمة للشركات لضمان إزالة النفايات بفعالية من الطرقات.يتطلب الأمر تكاملاً بين البلدية وشركة النظافة”.
وأكد أنه سيكون على “الشركة تطبيق دفتر الشروط بشكل دقيق، ومعالجة الثغرات الداخلية في دائرة النظافة والإدارة، وإعادة هيكلة النظام الداخلي لضمان التناسق في معالجة المسائل على أرض الواقع.من الضروري تقليص المدة الممنوحة للشركة لمعالجة المخالفات من 48 ساعة إلى 5-7 ساعات فقط. يجب تفعيل البنود الجزائية المنصوص عليها في العقد بحق الشركة التي لا تلتزم بمعايير تنظيف مدينة طرابلس، لضمان الكفاءة والالتزام”.

فساد لافاجيت على مدى عقود… حلقة مُغلقة من الفشل
لم تبدأ أزمة النفايات مع هذه الجولة من الخلاف، بل تمتد جذورها إلى عقود من عمل “لافاجيت” الذي شابه سوء الإدارة وضعف التجهيزات وغياب الشفافية واستنزاف مالي بلا نتائج ملموسة.
فعلى مدى سنوات طويلة، راكمت الشركة سجلًا من الإخفاقات والاتهامات التي تحولت إلى نهج ثابت أكثر منها حوادث متفرقة، أبرزها العقود الغامضة التي أُبرمت معها من دون مناقصات شفافة أو دفاتر شروط صارمة، ما فتح الباب أمام شبهات المحسوبيات وصفقات “الترضيات” في تلزيم قطاع حساس كقطاع النفايات.
كما اتُّهمت الشركة مراراً بالتلاعب بأرقام التكاليف وتضخيم الفواتير التشغيلية والصيانة، مقابل خدمات بقيت في الحد الأدنى، الأمر الذي تسبب في استنزاف عشرات ملايين الدولارات من المال العام من دون أن ينعكس ذلك تحسّنًا على مستوى النظافة أو إدارة النفايات.
وتبرز في سجلّ الشركة الغياب الكامل لخطط استباقية لموسم الشتاء، رغم أن طرابلس تُغرقها الأمطار سنويًا، ما أدى إلى تكدّس النفايات قبل العواصف وعدم جمعها ضمن روزنامة واضحة. كما
اعتمدت لافاجيت لسنوات طويلة على شاحنات قديمة وغير مجهزة، كثيراً ما كانت تتوقف عند أول أزمة أو أوّل تجمع للمياه، ما شلّ عملية الجمع في أوقات حرجة وزاد من انتشار الروائح والنفايات في الشوارع.
ورغم أن “لافاجيت” كانت تتقاضى مستحقاتها بالدولار الفريش، أبقت أجور العمال عند الحد الأدنى وحافظت على كلفتي المحروقات والأجور منخفضتين إلى أقصى حد، مما ضاعف أرباحها بشكل واضح. ومع الإعلان عن وجود عدد كبير من الموظفين، لا يظهر على الأرض إلا جزء ضئيل منهم، وتغيب الجرافات والكنّاسات وآليات شطف الطرقات منذ سنوات، على الرغم من أن هذه الخدمات مدفوعة الأجر. الشركة لم تُحرم يومًا من مستحقاتها.
وتحت الضغوط ومع ارتفاع حجم النفايات، لجأت الشركة باستمرار إلى المكبّ العشوائي في طرابلس كحلّ وحيد طوال سنوات، رغم بلوغه الحدّ الأقصى منذ أكثر من عقد، ورغم كل التحذيرات البيئية والصحية. كذلك تجاهلت الشركة إنشاء محطات فرز ومعالجة حقيقية، مكتفيةً بخطوات شكلية لم تكن قادرة على استيعاب جزء بسيط من الكميات المجمعة.

إجراءات استباقية لتنظيف المصارف قبل الشتاء
مع أولى زخّات المطر، تبدأ الدورة المأساوية، تجرف المياه النفايات المتراكمة نحو المجارير. وتنسد الشبكات، فيرتفع منسوب المياه. وتختلط النفايات بالمياه، فتتحول الطرقات إلى أنهار ملوّثة.
وتتعطل الشاحنات بسبب الغرق أو ضعف التجهيز.
وأوضح خلف أن ” البلدية اتخذت في هذا الخصوص اجراءات
استباقية لتنظيف المصارف والمجاري في المدينة لتجنب السيول وتجمع المياه على الطرقات. وتهدف هذه الجهود إلى تحديد العيوب ومعالجتها بأسرع وقت ممكن لضمان سلامة المدينة.تتضمن معالجة المشكلة على المدى الطويل التعاون بين اللجنة الهندسية والدائرة الهندسية داخل البلدية لتطوير البنية التحتية، بهدف استيعاب أكبر قدر ممكن من مياه الأمطار”.
وحدها طرابلس هي التي تدفع الثمن من هوائها ومائها وصحة أهلها، ومع كل هطول للمطر تنكشف هشاشة البنية التحتية، ويتضاعف الخطر الصحي والبيئي، وتُثبت الأزمة أنّ المشكلة ليست تقنية ولا ظرفية… بل هي بنيوية وجوهرها يبدأ من احتكار “لافاجيت” وينتهي عند عجز الدولة.
