خاص_القرار
في مشهدٍ يتكرّر كلّما أُطلقت مبادرة جديدة تحت شعار الابتكار والذكاء الاصطناعي، اجتمع عدد من المسؤولين الأكاديميين والتربويين والسياسيين في الجامعة الإسلامية – الوردانية لإطلاق ما وُصف بأنه اللقاء التوجيهي لحاضنة الأمل الوطني للابتكار والريادة والذكاء الاصطناعي.
غير أن ما بدا ظاهريًا حدثًا علميًا واعدًا، يخفي خلفه جملة تساؤلات مشروعة حول الشفافية، التمويل، الحوكمة، وتضارب المصالح في بيئة تعاني أصلًا من غياب الرقابة واستغلال الشعارات التربوية والعلمية لأغراض غير أكاديمية.
واجهة وطنية بمضامين غامضة
من حيث الشكل، تبدو المبادرة احتفاءً بالعقول اللبنانية الشابة وبالإبداع التكنولوجي. لكنّ المتابعين للشأن الأكاديمي في لبنان يدركون أنّ كثيرًا من المشاريع التي تُطلق تحت راية الوطنية والريادة تتحوّل بسرعة إلى منصّات لتبييض الصورة أو التمويل غير الواضح، لا إلى مختبرات علمية حقيقية.
اللافت أنّ الحاضنة الجديدة رُبطت بعدد من المؤسسات التعليمية الخاصة والجهات البحثية، من دون أن تُعلَن بوضوح آلية اختيار الشركاء، أو مصادر الدعم المالي، أو الجهة القانونية المشرفة على الحوكمة والمساءلة.
غياب المعايير العلمية والحوكمة الأكاديمية
من أبرز الثغرات في مثل هذه المبادرات أنّها تُسند أحيانًا إلى جمعيات أو نقابات لا تملك البنية البحثية الكافية ولا المؤهلات الأكاديمية المطلوبة لإدارة مشاريع وطنية بهذا الحجم.
فالابتكار العلمي ليس شعارًا يُرفع، بل منظومة تحتاج إلى اعتماد أكاديمي رسمي، مراجعة منهجية للأبحاث، لجان أخلاقيات علمية، وتدقيق مالي شفاف.
وفي حال غابت هذه العناصر، تتحوّل الحاضنات إلى واجهات علاقات عامة تُستغل لتثبيت حضورٍ سياسي أو حزبي في الوسط التربوي، بدل أن تكون محرّكًا فعليًا للتنمية.
تضارب المصالح وتسييس الابتكار
حين تتقاطع الأسماء نفسها في كلّ مشروع — من النقابة إلى الجامعة إلى المؤسسة التربوية — دون توضيح الفصل الإداري والوظيفي، تُطرح تساؤلات حول تضارب المصالح واستقلالية القرار الأكاديمي.
المشروع الذي يُفترض أن يكون وطنيًا جامعًا، قد يتحوّل إلى أداة نفوذ بيد مجموعة محددة تتحكّم بمسار التمويل والتحكيم والجوائز، ما يُفرغ الفكرة من مضمونها العلمي ويحوّل الابتكار إلى ماركة سياسية.
أين دور النقابات والهيئات الرقابية
الأغرب أن الجهات المفترض أن تراقب وتقيّم الأداء الأكاديمي — من نقابات مهنية ووزارات مختصة وهيئات رقابية — تلتزم صمتًا مريبًا.
فلا بيان توضيحي حول شروط الاعتماد، ولا نشر لتقارير مالية أو تقييمية للمشاريع التي تُنفّذ باسم الذكاء الاصطناعي، ولا تدقيق في مسألة تسجيل براءات اختراع تُعلَن أحيانًا على نحوٍ متسارع وغير موثّق في السجلات الدولية.
بهذا الشكل، يتحوّل مفهوم الاختراع من ثمرة جهد علمي إلى وسيلة لتضخيم الإنجازات الشكلية وتلميع الأسماء، في غياب أي تدقيق أكاديمي مستقل.
حاضنة بلا جذر مؤسساتي
من حيث المبدأ، تحتاج أي حاضنة وطنية إلى إطار قانوني محدّد: مجلس إدارة، سياسات حوكمة، تمويل شفاف، وآلية مساءلة معلنة.
أما حين يُطلق المشروع من دون أن يُعرَض نظامه الداخلي أو خطّته المالية أو هويّة الممولين، يصبح الحديث عن ريادة وطنية نوعًا من الخطاب الدعائي أكثر منه مشروعًا تنمويًا مستدامًا.
وما يزيد الريبة هو إعلان تنفيذ مشاريع محددة قبل خضوعها لتحكيم فعلي من جهة أكاديمية محايدة، ما يناقض أبسط قواعد العمل البحثي.
لبنان بحاجة إلى مختبرات حقيقية لا إلى مهرجانات إعلامية
لا يختلف اثنان على حاجة لبنان إلى مبادرات تكنولوجية وريادية تنهض بالاقتصاد المعرفي وتفتح أفقًا أمام شبابه.
لكنّ ما يجري اليوم هو العكس تمامًا: تسويق سياسي للعلم، وتدوير للمناصب والألقاب الأكاديمية، واستثمار في غياب الرقابة المؤسسية.
فبدل أن تكون الجامعات فضاءً للبحث الحرّ، تتحوّل تدريجيًا إلى مسارح ترويج لمشاريع غامضة تُعلن عن حاضنات ومراكز ابتكار لا أحد يعرف ميزانيتها ولا مرجعيتها القانونية.
نحو إصلاح بيئة الابتكار
إنّ حماية الابتكار في لبنان تبدأ من إرساء الشفافية: نشر بيانات التمويل، تحديد الجهة المالكة لحقوق الاختراع، وضع آلية واضحة لتقييم المشاريع، وفصل العمل الأكاديمي عن النفوذ الحزبي أو النقابي.
فمن دون ذلك، سنبقى أمام مبادرات ملوّنة بالشعارات، خالية من الجوهر العلمي، تُستهلك إعلاميًا ثم تختفي كما ظهرت: بصخبٍ كبير… وأثرٍ صغير.
الأسئلة التي لم يُجب عنها أحد بعد
من أين يأتي تمويل الحاضنة فعليًا؟ ما هي الجهة القانونية التي تملك صلاحية اعتمادها كمشروع وطني؟ من يراقب عملية التحكيم العلمي؟ وهل تملك الجهات المشاركة تراخيص رسمية لممارسة دورها الأكاديمي والبحثي؟
هذه الأسئلة تبقى معلّقة حتى اللحظة، في انتظار من يملك الجرأة على الإجابة.
