
خالد خشفة
محلل وباحث سياسي
هل يقبل لبنان أن يتحوّل إلى ملحق في الصفقة الأميركية – الإيرانية؟
هذا هو السؤال الذي سيحدّد مصيره:
إما أن يدخل المرحلة المقبلة كلاعبٍ له كلمة، أو يتحوّل إلى تفصيلٍ صغير في تسويةٍ كبرى لا يملك منها سوى دفع الثمن.
السؤال لم يعد سياسياً بل وجودياً، فلبنان عاد إحدى أكثر الساحات حساسية في سباق النفوذ الإقليمي. ومع خروج اتفاق شرم الشيخ إلى العلن، وتحول الاهتمام الدولي نحو إنهاء النزاع الفلسطيني وإعادة رسم التوازنات، برز لبنان مجدداً كحلقة هشّة ومفتوحة على كل الاحتمالات.
في هذا المناخ، برز الحديث الأميركي عن استعداد طهران للتفاوض وطلبها تخفيف العقوبات، بالتوازي مع رسائل إيرانية تؤكد أن باب التفاوض مع الغرب لم يُغلق. هنا يرتفع السؤال الأكثر إلحاحاً:
هل أصبحت إيران جاهزة لدفع ثمن هزائمها، والتخلي عن استخدام حزب الله كورقة تفاوضية في صراعها مع إسرائيل؟
حتى اللحظة، المؤشرات لا توحي بذلك. فطهران تتصرف كما لو أنها لم تخسر سوريا، وكأن حزب الله لم يُنهك في الحرب الأخيرة، وكأن لبنان مجرد منصةٍ مجانية لمواصلة لعبة النفوذ. هذه المقاربة تُترجم داخلياً بتعطيل المؤسسات، وربط القرارين السياسي والأمني بمفاوضاتٍ إقليمية لا علاقة للبنانيين بها.
والأخطر، أن تمسّك إيران بسلاح حزب الله يعني عملياً بقاء الوضع الجنوبي على حافة الاشتعال. فالخروقات الإسرائيلية اليومية مستمرة، واحتمال تجدد الحرب يزداد مع محاولات الحزب إعادة بناء قواته، ما قد يدفع الجيش الإسرائيلي إلى شنّ جولة جديدة من القتال في لبنان.
لبنان في عين واشنطن اقتصادياً وأمنياً:
بعد اتفاق شرم الشيخ، لم يعد لبنان خارج دائرة الاهتمام الأميركي. فواشنطن تنظر إليه اليوم كملف مرتبط مباشرة بإعادة ترتيب المنطقة، باعتباره الثغرة الوحيدة التي لا تزال خارج الاستقرار السياسي والأمني المطلوب.
لذلك، جاء الموقف الأميركي واضحاً:
لا دعم اقتصادياً ولا سياسياً قبل ضبط السلاح خارج الدولة.
فالولايات المتحدة تربط أي مساعدة بقاعدة واحدة: قرار الحرب والسلم يجب أن يعود إلى المؤسسات الشرعية حصراً، أما المماطلة فتعني استمرار الضغط وترك الساحة مفتوحة أمام التصعيد الإسرائيلي.
الموقف العربي: دعمٌ مشروط بسيادةٍ كاملة
الدول العربية، وعلى رأسها السعودية، نقلت رسالة واضحة إلى موفدين لبنانيين:
الاستعداد لدعمٍ اقتصادي واسع وإعادة الإعمار موجود، لكن بشرطٍ واحد، أن تُثبت الدولة أنها صاحبة القرار الأمني الوحيد.
وقد لوّحت السعودية بخطة دعمٍ قد تصل إلى عشرة مليارات دولار لإعادة الإعمار، شرط أن تفي الدولة بالتزاماتها وتعيد تثبيت مرجعية المؤسسات.
انقسام داخلي… وفرصة تفاوضية تضيع:
على المستوى الداخلي، كشف الطرح الذي قدّمه قائد الجيش العماد رودولف هيكل خلال جلسة مجلس الوزراء – والقاضي بتجميد خطة حصرية السلاح جنوب الليطاني إلى حين انسحاب إسرائيل ووقف خروقاتها – حجم الانقسام داخل الحكومة.
فهذا التباين يمنع صدور موقفٍ رسمي موحّد، ويُضعف موقع لبنان التفاوضي في لحظةٍ مفصلية.
تمسّك رئيس الحكومة بمسار حصرية السلاح ورفض تعديل الخطة جاء من منطلق حماية المصلحة الوطنية، لأن أي تغيير في هذه المرحلة يُفسَّر كتراجعٍ أمام الاعتداءات الإسرائيلية، أو كهامشٍ إضافي يُمنح لحزب الله خارج إطار الدولة.
فالقرارات الأمنية، خصوصاً تلك المتعلقة بالسلاح، يجب أن تُدار برؤية دولة لا كردّات فعلٍ ظرفية.
لبنان أمام مفترق: استعادة الدولة أو الانزلاق إلى تسويةٍ قسرية
يقف لبنان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما:
▪︎ الخيار الأول:
استعادة القرار السيادي، توحيد الموقف الداخلي، ضبط السلاح خارج المؤسسات، والانخراط في مسار دعمٍ عربي–أميركي يفتح باب الإعمار والاستثمارات.
▪︎ الخيار الثاني:
ترك لعبة الأمم تحدّد مكانه، فيتحوّل إلى ساحة حربٍ بالوكالة، ومسرح صفقاتٍ بين واشنطن وطهران وتل أبيب، ويفقد ما تبقّى من مؤسساتٍ وشرعيةٍ وقدرةٍ على الصمود.
