شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

طارق الحجيري

لم تكن سارة الشياح تدرك أن تعليقًا عابرًا على منشور الناطق باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، سيحوّلها إلى هدف لهجوم إلكتروني منظم. خلال ساعات، اشتعلت المنصات والحسابات المحسوبة على “المحور الإيراني” باتهامات الخيانة والعمالة، وكأنها ارتكبت جريمة كبرى تستحق المحاكمة الشعبية. ما أدّى إلى صرفها من عملها بشكلٍ تعسفي.

الواقعة التي بدت بسيطة في ظاهرها، كشفت مجددًا عن وجه آخر لما يُسمّى “ثقافة المحور”، حيث تُقاس الوطنية بمدى الولاء لمحور بعينه، لا بانتماء المرء إلى قضيته أو وطنه. فمجرد التفاعل مع منشور لأدرعي، كان كافيًا لإطلاق حملة تخوين تطال عائلة الشياح نفسها، في مشهد يعيد إلى الأذهان الاعتداءات القديمة التي تعرّضت لها العائلة سابقًا في سوق بعلبك، لكن هذه المرة بوسائل رقمية.

لذلك لا بد من طرح الأسئلة بلا مواربة ولا مجاملة، فهل سارة الشياح هي من أوصلت أجهزة البيجر المفخّخة إلى أيادي عناصر الحزب؟ وهل سارة من أخبرت اسرائيل عن زيجات فؤاد شكر وعن اجتماع فرفة الرضوان؟ هل سارة من ارشدت اسرائيل مكان نصرالله السري؟؟ أم أنّ العملاء من داخل بيئة وصفوف من يتهمون سارة بالعمالة اليوم.

الهجوم الذي شنّه ذباب “الممانعة” وحشراتها الالكترونية على سارة لم يكن مجرد ردّ فعل عاطفي، بل حملة منظّمة تحمل بصمات “الغرف الإلكترونية” التي تدير خطاب الكراهية ضد أي صوت لا ينسجم تمامًا مع رواية المحور. لم يسأل أحد عمّا قالته الفتاة فعلًا، بل اكتفوا بتهمة جاهزة: “الخيانة والخيانة”.
هكذا تتحول الشبكات الاجتماعية، في بيئات مغلقة فكريًا، إلى محاكم تفتيش حديثة، لا تعترف بالخطأ ولا تسمح بالاختلاف.

القضية أبعد من منشور وتعليق. إنها تطرح سؤالًا حول المساحة المتبقية للناس العاديين في التعبير دون خوف من الجموع الغاضبة، وحول حدود السلطة الرمزية التي يمارسها المحور الإيراني في لبنان والمنطقة، ليس بالسلاح فقط، بل بالوصاية على الرأي والموقف والمشاعر أيضًا.

في النهاية، لم تخُن سارة وطنها، لكنها كشفت ــ من دون قصد ــ هشاشة الثقة داخل الممانعة، التي ترى في أي خروج عن النص تهديدًا لهيبتها. أما التهديد الحقيقي، فهو هذا الانغلاق الذي يجعل من الكلمة جريمة، ومن التعليق البريء معركة ولاء.

شاركها.