شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

 

خالد خشفة
محلل وباحث سياسي

لقاء المصيلح الذي دعا إليه الرئيس نبيه بري، تحت عنوان إعادة الإعمار، لم يكن أكثر من عرضٍ انتخابيٍّ مبكرٍ يُراد منه إنعاش شعاراتٍ ميتة.
فالكلام عن الإعمار فقد معناه في بلدٍ تحوّل إلى ساحة تصفية حساباتٍ إقليمية ودولية، فكلّ دولارٍ سيأتي بثمنٍ سياسي، وكلّ وعدٍ بالإعمار مشروطٌ بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.

العرب واضحون في رسائلهم: لا إعمار قبل قيام دولةٍ فعلية، لا دويلة داخلها، ولا سلاح فوق سلاحها. لذلك سقطت محاولة بري في تلميع صورته أمام الخارج، فلقاء المصيلح لم يكن سوى أرنبٍ انتخابيٍّ خرج مشويًا في مشهدٍ لبنانيٍّ بات مكشوفًا تمامًا: لا جمهورٌ منبهر، ولا حلفاء متحمسون، ولا مانحون مستعدون.

الواقع على الأرض أشدُّ مرارةً. إسرائيل تعيد رسم الجنوب على طريقتها، عبر نقاطٍ عسكريةٍ دائمةٍ تهدف إلى تفريغ القرى من سكانها وتحويلها إلى منطقةٍ عازلةٍ بلا حياة، لتضمن ألّا مقاومةَ شعبية تنهض بعد اليوم. فالمقاومة الحقيقية تولد من الناس والأرض، لا من الخطب والبيانات.

أمّا حزب الله، الذي يعيش على رماد انتصاراتٍ سابقة، فيواجه اليوم معادلةً أكثر قسوة: إمّا تسليم السلاح، أو بقاء الجنوب خاليًا من أهله. وقد أصبح السلاح عبئًا على بيئته قبل خصومه. انتهى زمن الأوهام، وسقط حلم القرار الشيعي في رسم مستقبل الشرق. لا مكان اليوم لقوّةٍ تتجاوز حجمها الديموغرافي، مهما تضخّم سلاحها.

بيان الحزب الأخير إلى الرؤساء الثلاثة لم يكن سوى صرخةٍ دفاعيةٍ متأخرة، أراد من خلالها اتهام الحكومة بالتسرّع في قرارها بسحب السلاح. بينما الحقيقة أنّ الحزب هو من تأخّر عن قراءة التحوّلات، فالملف اللبناني أصبح مُدَوَّلاً بالكامل، والخطة بدأت فعليًا بسحب السلاح تمهيدًا لتحويل الجنوب إلى منطقةٍ اقتصاديةٍ خاضعةٍ للنفوذ الدولي.

الردّ الإسرائيلي على بيان الحزب جاء واضحًا: «حزب الله يلعب بالنار»، وطالب الحكومة اللبنانية بتنفيذ التزاماتها، مهدّدًا بتصعيدٍ عسكري. وهي (أي إسرائيل) تدرك أنّ الوقت هذه المرّة في صالحها، فحزب الله محاصر داخليًا بشعبٍ أنهكته الحروب، وباقتصادٍ منهار، وحلفاءَ صامتين.

خلال جلسة الحكومة المقبلة، ستعرض قيادة الجيش التقرير الشهري حول خطة حصر السلاح في المناطق اللبنانية كافة، إنفاذًا لقرار مجلس الوزراء رقم 5 تاريخ 5/9/2025، وسط ضغوطٍ دوليةٍ لفرض جدولٍ زمنيٍّ واضحٍ لتنفيذها. بينما يرفض الحزب تحديد أيّ مهلٍ زمنية، ويصرّ على ربط السحب بوقف العدوان الإسرائيلي وبدء الإعمار، وهو شرطٌ يعرف الجميع أنّه ذريعةٌ للهروب من الاستحقاق الحقيقي.

السلاح الذي رُفع تحت شعار «حماية لبنان» تحوّل اليوم إلى قيدٍ على لبنان، والذين اختبأوا خلف المقاومة جعلوها غطاءً للعجز والفساد. أمّا من يظنّ أنّ بيانات التحدّي تُعيد هيبةً فقدها الحزب، فهو يعيش خارج الزمن. فالإنكار المستمر للهزيمة أخطر من الهزيمة نفسها، لأنّ من يعيش في وهم الانتصار لا يبني وطنًا، بل يدفنه كلَّ يوم.

لقد فشل لقاء المصيلح، لأنّ زمن المناورات انتهى، وسقطت معه أوراق بري كما سقط خطاب الحزب أمام الوقائع الميدانية. الجنوب يحترق، والناس تنزح، والحكومة بين بيانٍ ونار، تبحث عن دولةٍ تفرض سيادتها في وجه سلاحٍ فقد مبرّره وشرعيته. لبنان اليوم أمام حافة القرار: إمّا دولةٌ حقيقية، أو بقايا جمهوريةٍ محكومةٍ ببياناتٍ وحرائق.

شاركها.