شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار
تحقيق قضائي كشف شبكة تزوير داخل الجامعة اللبنانية ووصف الملف بـ “أخطر ما يضرب التعليم الرسمي”

 

طوني بولس

 

في زمن ٍغير بعيد، كان التعليم العالي في لبنان أحد أبرز دعائم التقدم في العالم العربي، ومصدر إشعاع أكاديمي وثقافي لطلاب المنطقة.

شكلت بيروت وجهةً للطلاب العرب، واستقطبت جامعات لبنان، وعلى رأسها الجامعة اللبنانية، الآلاف من أبناء الدول العربية، لما كانت تتمتع به من معايير أكاديمية عالية، واستقلالية فكرية، وتنوع علمي وتخصصي.

إلا أن هذا القطاع الذي كان عنواناً للتقدم يعيش اليوم حالة انهيار غير مسبوقة وسط أزمات اقتصادية وسياسية خانقة، وفضائح تربوية متزايدة، تهدد ما تبقى من صدقية التعليم الرسمي في البلاد.

شبكة تزوير وبيع شهادات

انفجرت أخيراً فضيحة مدوية في الجامعة اللبنانية، وُصفت بأنها “أخطر ملف يضرب التعليم الرسمي منذ نشأة الدولة اللبنانية”. فقد تبين وجود شبكة تزوير وبيع شهادات في اختصاصات مختلفة، كُشف أمرها صدفةً بعدما اشتبهت أكاديمية بعمليات تزوير منظم في كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية – الفرع الأول، الواقعة في منطقة الحدث في جبل لبنان.

وفق المعلومات القضائية، فقد تجاوز التلاعب بالعلامات حدوده ليصل إلى اختفاء كراسات امتحانات كاملة، وتزوير تواقيع، وتمرير طلاب راسبين مقابل مبالغ مالية. وقد أُبلغت الجهات الأمنية بالأمر، فجرت تحقيقات سرية استمرت لأشهر وأوقعت “الخلية الأولى” بالجرم المشهود، قبل أن تتساقط الاعترافات وتطاول أكثر من 16 شخصاً من الأكاديميين والإداريين، إلى جانب “مؤسسة خارجية” بغطاء أكاديمي كانت تصطاد الزبائن وتبيعهم شهادات بالتنسيق مع الشبكة الموجودة داخل الجامعة.

التحقيق الذي لا يزال مستمراً، كشف حتى الساعة عن وجود شبكة داخلية تتولى بيع الشهادات الجامعية وتزوير النتائج، فيما تراوحت الأسعار بين 5500 و7300 دولار مقابل النجاح أو التخرج. في حين شارك موظفون وأساتذة في تمرير معاملات غير قانونية عبر تبديل أوراق امتحانات، أو التلاعب بمنصة العلامات الإلكترونية، أو توقيع مستندات مزورة باسم أساتذة لا علم لهم بما نُسب إليهم.

كذلك تبين أن طلاباً لبنانيين وعراقيين وكويتيين، بعضهم ضباط، حصلوا على شهادات جامعية بطريقة مشابهة، ما أثار علامات استفهام إقليمية حول الاعتراف بهذه الشهادات وكشف عن شبكة منظمة اخترقت واحدة من أهم مؤسسات التعليم الرسمي في لبنان.

التلاعب بالامتحانات

لم تقف التحقيقات عند هذا الحد، إذ كشفت وقائع مروعة عن كيفية تنفيذ التزوير في الامتحانات. فقد تم التلاعب مباشرة بنظام العلامات الإلكتروني الرسمي (Banner) عبر تغيير علامات الراسبين، واستبدال كراسات الامتحانات بعد تصحيحها ووضع علامات ناجحة عليها.

كما لجأت الشبكة إلى نزع الدباسات من الكراسات الأصلية واستبدال أوراق داخلية بأخرى تحمل إجابات صحيحة. وفي حالات أخرى، سُرقت كراسات امتحانات من طلاب ناجحين وتبدلت أسماؤهم لمنح النجاح لآخرين.

وقد خُصصت بعض القاعات في حرم الجامعة (المذكورة أعلاه)، مثل “المدرج 1” لعمليات غش منظم باستخدام الهواتف والسماعات، في ظل غياب أي رقابة فعلية.

تحرك قضائي وموقف من نواف سلام

وقدم المدعي العام في جبل لبنان، القاضي سامي صادر، ادعاء باسم الحق العام على المدير السابق للفرع الأول في كلية الحقوق بالجامعة اللبنانية (م.م) وأمين السر (ط.ب) وعدد من الموظفين والمتدخلين، بجرائم تتعلق بتزوير مستندات رسمية واستعمالها، والإخلال بواجبات الوظيفة، والإهمال الوظيفي، وعرقلة سير التحقيق، إضافةً إلى تمزيق وإخفاء وثائق رسمية، ومحاولة طمس الأدلة، والتلاعب بوقائع مرتبطة بالامتحانات الجامعية.

وقد استمع القضاء بالفعل إلى أكثر من 50 شاهداً وادعى على 16 منهم، وأفضت التحقيقات إلى توقيف ثلاثة أشخاص، هم مدير الكلية وأمين سر الفرع، وطالب متورط في استخدام أوراق امتحانات مزورة.

فيما كشفت أعلنت مصادر قضائية أن المدعي العام في جبل لبنان أصدر الادعاءات الرسمية بحق المتورطين استناداً إلى المواد الجرمية التي تشمل التزوير، إساءة الأمانة، الاحتيال، واستعمال المزور.

دفعت هذه الفضائح رئيس الحكومة نواف سلام إلى التحرك السريع، إذ تواصل مع وزيرة التربية ريما كرامي وطالب بفتح تحقيق فوري. وسرعان ما تولت النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان الملف، بتنسيق مباشر مع النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار، الذي كلف جهاز أمن الدولة بالتحقيقات الأولية.

وكانت الجامعة اللبنانية أصدرت بياناً نفت فيه بشكل قاطع كل ما “يتداول إعلامياً حول الشهادات المزورة”.

أستاذ جامعي ينفي مسؤوليته

بعد الكشف على سجلات الامتحانات، ظهرت نتائج صادمة: تم استبدال أوراق امتحانات كاملة بكراسات مزيفة، وتزوير تواقيع الأساتذة على أوراق لم يكتبوها، وتعديل العلامات يدوياً وإلكترونياً عبر المنصة الرسمية. فيما اختفت الامتحانات الأصلية من الأرشيف واستُبدلت بأخرى “مفبركة”.

فيما تكشف المصادر القضائية أنه في إحدى المواجهات، أكد أستاذ جامعي أن التوقيع المنسوب إليه مزور بالكامل، وقال “هذا ليس خطي، ولا وضعت هذه العلامة، ولم أر هذه الورقة من قبل”.

رأس جبل الجليد

فضيحة كلية الحقوق الفرع الأول لم تكن سوى رأس جبل الجليد. فقد سبقتها وقائع مماثلة في فروع أخرى، أبرزها كلية الآداب – الفرع الثالث في طرابلس شمال لبنان، حيث سربت تسجيلات صوتية بين المديرة وطالبة تُدعى “آية”، كانت تجمع الأموال من الطلاب مقابل إعطائهم نتائجهم قبل صدورها رسمياً، وفق تقارير صحافية.

المكالمات كشفت تهديدات وضياع أموال وتخريج طلاب راسبين، إضافة إلى “مداولات” تمت خارج الأطر القانونية. وتبين أن المديرة تلاعبت بالنتائج مقابل مبالغ مالية، فيما تجاهلت الإدارة مطالبات الطلاب باستعادة أموالهم.

كذلك وُجهت اتهامات للإدارة بتسريب النتائج قبل الإعلان الرسمي مقابل رسم قدره 65 دولاراً، وشارك بعض الطلاب في حفلات تخرج على رغم رسوبهم فعلياً. وأكدت شهادات طلابية أن طالبة التي تدعى “آية” كانت تتولى جمع الأموال والتنسيق مع المديرة مباشرة.

فيما يقول متابعون لهذا الملف إن الأخطر أن امتحانات الدخول إلى كليات حساسة كـالطب والهندسة ومعاهد الدكتوراه لم تسلم من التدخلات، إذ تُدار اليوم في كثير من الحالات من قبل مكاتب تربوية حزبية، ما يخضعها لمنطق المحاصصة الطائفية والسياسية بدلاً من معيار الكفاءة الأكاديمية.

شاركها.