شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

 

 

وسام رضوان

يقف الشرق الأوسط اليوم أمام مفترق تاريخي حاسم: إما عصر جديد من النهوض والتحرّر الاقتصادي وبناء التوازن بين الشرق والغرب، أو مرحلة أطول من التفكك، تُهدر فيها ثروات الشعوب وتبقى المنطقة رهينة أنظمة متكلّسة وصراعات تُدار بالوكالة. فوسط التحوّلات العالمية المتسارعة، لم يعد امتلاك الموارد الطبيعية أو الموقع الجغرافي كافيًا، بل باتت قيمة الدول تُقاس بقدرتها على توظيف ما لديها لبناء شراكات استراتيجية تحمي سيادتها وتنهض باقتصادها ومجتمعاتها.

ورغم ما عانته المنطقة خلال العقود السابقة من حروب وأزمات سياسية واقتصادية، فإن عناصر النهضة الشاملة لا تزال حاضرة بقوة: موقع استراتيجي يربط ثلاث قارات، موارد طاقة هائلة تقليدية ومتجددة، ثروات بشرية شابة تشكّل غالبية السكان، وأسواق واسعة مؤهلة للتحوّل إلى مركز توازن اقتصادي عالمي بين الشرق الصاعد والغرب المتجدد. وهذه المعطيات تمنح الشرق الأوسط فرصة تاريخية ليصبح منطقة فاعلة لا ساحة تنافس بين القوى الدولية.

لقد أثبتت العقود الأخيرة أن النماذج التقليدية للحكم والإدارة الاقتصادية في عدد من الدول العربية قد وصلت إلى حدودها. فاستمرار النهج القائم على الاقتصاد الريعي، والولاءات الضيقة، والبيروقراطية المعرقلة للابتكار، تسبّب في إضعاف الإنتاج، هروب رؤوس الأموال، وتراجع الثقة بمؤسسات الدولة. ومهما تعدّدت المبادرات الدولية والدعوات للإصلاح، فإن غياب الإرادة السياسية الحقيقية، واحتكار القرار الاقتصادي من قبل شبكات مصالح نافذة، حال دون إطلاق ديناميات نمو حقيقية، خصوصًا في دول مثل لبنان والعراق ومناطق عربية أخرى تعثّر فيها المشروع التنموي نتيجة الفساد والتداخل بين السلطة والثروة.

في المقابل، تُظهر تجارب بعض دول المنطقة أن تغيير المعادلة ممكن عندما تتوفر الرؤية والقيادة والإدارة الحديثة. فقد اتجهت عدد من الدول نحو إعادة هيكلة اقتصاداتها، استقطاب التكنولوجيا، الانفتاح على أسواق جديدة، وتطوير شراكات دولية قائمة على المصالح المتبادلة. كما برز دور دول الخليج في الاستثمار في الطاقة المتجددة، التحول الرقمي، الأمن الغذائي، والصناعة ومحفزات للاستثمار وتهيأة البنية التحتية له ، مما وضعها في قلب التوازن الاقتصادي العالمي الجديد.

إن الاستفادة من هذه الفرصة الإقليمية تتطلّب انتقالًا شاملاً من اقتصادات مقيدة سياسيًا إلى اقتصادات حديثة قائمة على الإنتاج، الابتكار، والتكامل الإقليمي. فالتحدّي اليوم لم يعد فقط اقتصاديًا، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإصلاح السياسي وبناء دولة القانون والمؤسسات، التي تضمن الشفافية، تحييد الفساد، وصون الملكية الفردية والاستثمارات من التدخّلات والمحسوبيات. فلا نهضة اقتصادية، مهما بلغت جودتها، يمكن أن تستمر دون بيئة سياسية آمنة ومستقرة تكفل حقوق المواطنين والمستثمرين على حدّ سواء.

إن التحوّل نحو شرق أوسط مزدهر وعادل لا يمكن أن يتحقق دون معالجة جذرية للعوائق البنيوية التي كبّلت قدرات شعوبه وأهدرت موارده. ولعل أبرز تلك العوائق هي غياب الاستقرار الأمني، وضعف الدولة المؤسسية، واستمرار احتكار النخب الحاكمة للقرار السياسي والاقتصادي. فالاستقرار لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بتعزيز شرعية الدولة ومؤسساتها، وإرساء قواعد الشفافية وسيادة القانون، وتحصين المجتمع من الانقسامات الداخلية. إن الأمن المستدام مع مكافحة الفساد االسلطوي هو الذي يوفر بيئة مواتية للإنتاج والابتكار، لا القمع أو شراء الولاءات والمحاصصات .

وتُظهر تجارب ناجحة عالميًا أن الحل لا يكمن في تغيير الوجوه، بل في إعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس جديدة: دولة مؤسسات، اقتصاد حر ومنضبط بالقانون، شفافية ومساءلة، وفتح المجال لاقتصاد قائم على الإنتاج والتنافسية، لا على الامتيازات والاحتكارات. إن التحرير المنظم للاقتصاد من قبضة السلطة الفاسدة ، مع تعزيز دولة القانون، هو الأساس الذي يمكّن الشعوب من المشاركة في خلق الثروة لا انتظار توزيعها عبر القنوات الزبائنية.

وفي هذا الإطار، يبرز دور الشباب العربي كقوة تغيير مركزية في المشهد الإقليمي. فجيل اليوم يشكّل النسبة الأكبر من المجتمع، وهو أكثر ارتباطًا بالعالم، وأكثر وعيًا بأساليب الإدارة الحديثة، ويمتلك خبرات رقمية وريادية تمكّنه من إطلاق اقتصاد جديد قائم على الابتكار والتحوّل الرقمي. ومع ذلك، فإن غياب البيئة المؤسسية العادلة والفرص السياسية المفتوحة وتحكم قوى الأمر الواقع بمفاصل الاقتصاد دفع كثيرًا من الكفاءات إلى الهجرة، ما حرم المنطقة من طاقاتها الحيوية. إن إعادة دمج هذه الطاقات وتوفير إطار تشريعي واقتصادي يضمن مشاركتها سيشكل نقطة تحول محورية في معادلة النهضة.

كما أن بناء شرق أوسط قوي لا يعني الانغلاق داخل الحدود، بل يتطلب تكاملًا اقتصاديًا وإقليميًا يعيد تشكيل العلاقات بين الدول على أساس المصالح المشتركة . فالتحديات العابرة للحدود، مثل الأمن الغذائي والمائي، الطاقة، سلاسل التوريد، التغير المناخي، لا يمكن لدولة مواجهتها منفردة. وهنا، يمكن للمنطقة أن تستفيد من موقعها الاستراتيجي لخلق جسر توازن اقتصادي وتكنولوجي بين الشرق والغرب، بدلاً من لعب دور الساحة في تنافس القوى.

إن الطريق نحو شرق أوسط مزدهر قائم على ثلاث ركائز أساسية: أولاً، استقرار سياسي وأمني يعزز الثقة ويتيح الاستثمار والإنتاج؛ ثانيًا، اقتصاد منفتح قائم على الإنتاج والابتكار والتحوّل الرقمي؛ ثالثًا، تكامل إقليمي وشراكات استراتيجية تحمي السيادة وتخلق منصات تعاون فعّالة. ومع توفر الموارد البشرية والطبيعية، فإن مفتاح النهضة يكمن في إرادة التغيير، التي تعبّر عنها الشعوب اليوم بوضوح عبر مطالبها بالإصلاح، العدالة، والفرص.

إن المستقبل الحقيقي للشرق الأوسط يعتمد على قدرة شعوبه على تحويل الطاقات الفردية والجماعية إلى مشاريع مستدامة، وإطلاق الإمكانات الاقتصادية والاجتماعية الكامنة، مع الحد من النفوذ المعرقل لشبكات المصالح الفاسدة والحروب المفتعلة والكيانات الهجينة . وإذا ما تحققت هذه الشروط، ستتحول المنطقة من ساحة صراع إلى منصة تعاون، ومن مستهلك للتقدم إلى صانع له، لتستعيد دورها الحضاري وتصبح مركزًا عالميًا للتوازن بين الشرق والغرب.
هنا في لبنان إما أن نلحق بركب النهضة والازدهار، أو أن نبقى في مجاهل الاقطاعية ومتحزبيها .

شاركها.