
طارق الحجيري
يبقى الموقوفون الإسلاميون في السجون اللبنانية، أحد أكثر الملفات إيلامًا وصمتًا في آن. عشرات بل مئات الشبان ما زالوا يقبعون خلف القضبان منذ سنوات طويلة، دون محاكمات عادلة أو مهل زمنية منطقية، كأنهم عالقون في زمن محاكم التفتيش، أو في قبضة عدوٍ لا يرحم.
منذ معارك نهر البارد وجرود عرسال، ومع بشائر الثورة السورية عام 2011 تحوّل مصطلح “الإسلاميين والارهابيين” إلى عنوان واسع وفضفاض يُستخدم لتبرير التوقيفات العشوائية، ولتغطية عجز الدولة عن التمييز بين من حمل السلاح دفاعًا عن منطقته، ومن تورط فعليًا في الإرهاب. وبفعل هذا الخلط المقصود، رُميت ملفاتهم في محكمة عسكرية استثنائية، تحاكم مواطنين مدنيين بذهنية عسكرية لا تعرف سوى التهمة والعقاب.
المحكمة العسكرية، التي يفترض أن تكون مؤسسة مختصّة بشؤون العسكريين وقضاياهم، باتت أداة بيد فريق سياسي معروف، يستخدمها لإدارة الخوف والكسر الطائفي. فالأحكام فيها تُبنى على اعترافات انتُزعت تحت الضغط، وعلى ملفات أمنية لا تخضع للتدقيق المدني. ويكفي أن يكون الموقوف من منطقة “مغضوب عليها” سياسيًا أو مذهبيًا، حتى تُسقط عنه فرصة البراءة، ويُرمى لسنواتٍ في غياهب الانتظار قبل أن يُنظر في قضيته.
الظلم هنا ليس مجرد شعور، بل حقيقة موثقة في شهادات السجناء والمحامين ومنظمات حقوق الإنسان. عشرات الأمهات ينتظرن أبناءهن الذين لم يُمنحوا حتى فرصة الدفاع عن أنفسهم، فيما يستمر النظام السياسي في تجاهل الملف وكأنه عبء قابل للتأجيل. كل مبادرة للعفو العام تُواجه بحسابات طائفية أو بحجج أمنية تُعيد إنتاج المأساة نفسها.
المسألة لم تعد قضائية فحسب، بل باتت أخلاقية ووطنية. فاستمرار هذا الظلم يهدد فكرة العدالة نفسها، ويعمّق الإحساس بالتهميش لدى اللبنانيين السُنّة، خصوصًا في البقاع الشمالي وطرابلس ومخيمات اللاجئين. وعندما تفقد الدولة ثقة أبنائها بالقضاء، فإنها تفتح الباب أمام الانقسام الدائم والعنف الكامن.
المطلوب اليوم ليس عفوًا عشوائيًا، بل عدالة حقيقية تضع حدًا لمحاكم استثنائية تحاكم الناس بظلال الحرب والطائفية. فلبنان الذي يرفع شعار العدالة الدولية في كل محفل، يعجز عن تحقيق عدالة داخل سجونه.
هكذا، يبقى الموقوفون الإسلاميون، عنوانًا لعدالة مؤجلة وعدالة مفقودة، في زمن بات تقبل الظلم والرضوخ له ضربًا من الخيال.
