شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

خالد خشفة

محلل وباحث سياسي

هل بقي من معنى لرئاسة الجمهورية، إن كانت قرارات الحرب والسلام تُقرَّران في الضاحية وعين التينة؟
وهل ما زال لبنان دولة تفاوض، أم مجرّد سلطة تواكب ما يُقرَّر عنها بين بيروت وواشنطن وتل أبيب؟

ما يجري في لبنان ليس سوى تجلٍّ لمعادلة واحدة: كلما غابت الدولة تمدّدت القوى التي تتغذّى من الفوضى، ومن فائض السلاح والسيطرة.

المضحك المبكي أن مصدرًا رئاسيًا لبنانيًا صرّح لقناة “الحدث” أنّ حزب الله وافق على إشراك مدنيين في لجنة وقف النار التي ستتفاوض مع إسرائيل.
وهذا يدلّ على أن المشهد اللبناني في ملف التفاوض مع إسرائيل عارٍ من أي توازن مؤسساتي؛ فالرئاسة والحكومة غائبتان عن القرار، بينما يتقدّم رئيس مجلس النواب نبيه بري وحزب الله ليتصرّفا بوصفهما المرجعية الفعلية لتحديد شروط التفاوض، وتركيب الوفود، وتحديد سقف “المقبول” و”المرفوض”.

إنّه انقلاب ناعم على الدستور يُدار تحت عنوان “المقاومة”، لكنه في جوهره سلبٌ لصلاحيات الدولة، وتكريسٌ لواقع الثنائية المتحكّمة بكل مفاصل القرار الوطني.

يزيد المشهدَ التباسًا الضغطُ الأميركي المباشر عبر الموفدة مورغان أورتاغوس، التي أعادت تفعيل القنوات الدبلوماسية مع بيروت، وشدّدت على أن أي دعم أميركي للبنان مستقبلاً سيكون مقترنًا بقدرة الدولة على ضبط السلاح غير الشرعي، وتعزيز سلطتها على المعابر.
وفي سياقٍ موازٍ، خرج توماس باراك بتصريحٍ لافتٍ وصف فيه لبنان بأنه “دولة فاشلة”، قائلاً إن المصداقية الدولية للبلد مرتبطة بقدرته على السيطرة الفعلية على القرار الداخلي والأسلحة الخارجة عن إطار الدولة.

لذلك، لم يعد التفاوض يتحرّك في الحيّز الوطني بمفرده، بل ضمن ضغوطٍ تتجاوز الحدود: من الغارات الإسرائيلية إلى التدخّلات الدبلوماسية، يُدار الملف اللبناني من خارج المؤسسات.

وتتزايد اليوم الأدلة على أن خطوط التهريب من سوريا إلى لبنان لم تعد مجرّد خرقٍ أمني، بل منظومة متكاملة تمدّ حزب الله بالسلاح والذخائر عبر قنواتٍ معقّدة تتخطّى قدرة الدولة على المتابعة أو الردع.
والغارات الإسرائيلية المتكرّرة في الجنوب ليست سوى الوجه العلني لصراعٍ تديره قوى الأمر الواقع، من دون أي تنسيقٍ مع مؤسسات الدولة.

في المقابل، يقف الجيش اللبناني عاجزًا أمام هذه الوقائع، مُنهكًا بميزانيةٍ متآكلة، ورواتب بالكاد تكفي الجندي للعيش، فيما الحزب يملك اقتصادًا موازيًا وشبكة تمويل تمتدّ إلى الخارج.

وأشار باراك إلى المفارقة الصارخة بين الجندي اللبناني، الذي يُفترض أن يكون خط الدفاع الأول عن السيادة، ويتقاضى نحو 275 دولارًا شهريًا، وبين عنصرٍ من حزب الله الذي يتقاضى ما يفوق 2200 دولار مع امتيازاتٍ وخدماتٍ كاملة.
فأيّ سيادة يمكن الحديث عنها حين يصبح الولاء للسلاح هو الطريق الوحيد إلى الكرامة المعيشية؟

الفارق بين راتب الجندي وراتب المقاتل الحزبي ليس مسألةً مالية فحسب، بل رسالةٌ مفادها أن النظام الرسمي بات تابعًا لمن يدير التمويلات والسلاح، لا لمن يُفترض أنه الممثل الشرعي للبنان.
وحين تصبح المؤسسة العسكرية أفقر من الجهة الموازية، لا نكون أمام نقاشٍ حول ضماناتٍ أمنية، بل أمام رفضٍ ضمني لمفهوم الدولة ذاتها.

إن ما يواجهه لبنان اليوم ليس مجرّد أزمة تفاوض أو أزمة أمن، بل معركة وجودية بين منطق الدولة ومنطق الدويلة. فإمّا أن تستعيد المؤسسات قرارها وتفرض سيادتها الفعلية على الحدود والسلاح، أو يبقى لبنان ساحةً مفتوحة لمن يملك المال والسلاح معًا.

السيادة لا تُستعاد بالشعارات ولا بالبيانات، بل بقرارٍ وطنيٍّ جريء تبدأه رئاسة الجمهورية والحكومة معًا، تعيدان فيه تمثيل الدولة للبنانيين بالكامل، قبل أن يُؤمَّم القرار الوطني لصالح أحزابٍ بلا مراقبة وطنية.
الصمت عن تجاوزٍ مؤسّسٍ هو خيانة، والانتظار بلا موقفٍ واضحٍ هو رضوخٌ يُكمل عملية تفكيك الدولة من الداخل.

شاركها.