عامر خضر آغا
أُهملت مدينة طرابلس طويلاً من قبل الدولة مقارنة ببقية المدن اللبنانية، فغابت عنها الاستثمارات التي كان يمكن أن تنعشها سياحيًا وتجارياً. لكن الأخطر أن هذا الإهمال اتخذ طابعًا ممنهجًا، إذ حُرمت المدينة من مواردها والاستفادة من مرافقها العامة بذريعة انعدام الاستقرار الأمني.

استُخدمت الفتن المفتعلة بين منطقتي باب التبانة وجبل محسن ذريعةً لإدامة حرمان المدينة وتنظيم سرقتها على مدى عقود. وبدأ ذلك عمليًا مع نقل مقر لجنة الاستملاك من طرابلس إلى سرايا البترون، ما أدى إلى تعطّل مشاريع البنى التحتية بسبب غياب الجهة المخوّلة حسم ملكية الأراضي، فتوقّف الاستملاك الرسمي، وتعثّرت مشاريع الطرق والبناء على الأملاك العامة والخاصة.
وتعد لجنة الاستملاك الابتدائية هيئة قضائية _ فنية تُشكَّل بقرار من وزير العدل في كل محافظة، تضم قاضياً يرأسها وعضوين أحدهما خبير عقاري أو مهندس مثمّن والآخر ممثل عن الإدارة المستملكة. وتتولى تقدير قيمة العقارات التي تُستملك لتنفيذ المشاريع العامة وتحديد التعويض العادل للمالكين، والفصل في النزاعات المتعلقة بالملكية أو بقيمة الاستملاك، وتُعدّ قراراتها ملزمة ونهائية، ولا يُقبل الطعن فيها إلا في مقدار التعويض.
إلى ذلك، أوضح المحامي أمين بشير لموقع “القرار”، أن “القضاء حين يكون ناشطًا وخاليًا من الإضرابات والتعطيل، يتيح للجان الاستملاك العمل كسائر المحاكم”، معتبرا أن “المشكلة في طرابلس سياسية بالدرجة الأولى، لأن أي مشروع استملاك يحتاج إلى قرار توافقي، ولأن اكتمال تشكيل اللجنة أمر حيوي في ظلّ نقص الموظفين المؤهلين القادرين على تطبيق الإجراءات القانونية والفنية للاستملاك”.
إن الحلول القانونية لمعالجة هذه العقبات واضحة، فالمادة 22 من قانون الاستملاك تنصّ على أن قرار اللجنة بشأن قيمة التعويض نهائي وملزم، ولا يجوز الطعن فيه إلا في مقدار التعويض. كما تنصّ المادة 27 على أن النزاعات بين الأهالي أو بينهم وبين الدولة لا توقف مشروع الاستملاك. ويتيح القانون سدّ النقص في الكوادر من خلال الاستعانة بخبراء مقيدين لدى وزارة العدل (مهندسين، خبراء مساحة، مثمنين عقاريين)، أو بانتداب موظفين من إدارات أخرى، أو بتشكيل لجنة موسعة مؤقتة بقرار من وزير العدل لتغطية المشاريع الكبرى.

تسببت العوائق الإدارية والسياسية بحرمان طرابلس من تنفيذ مشاريع حيوية عدة، أبرزها مشروع الطريق الرابط بين شرق المدينة وغربها من باب التبانة إلى منطقة البالما، الذي تعطّل بين عامي 2014 و2016 بسبب نزاعات على الملكية وضغوط سياسية. كما تأخر تطوير مرفأ طرابلس وتعزيز قدراته اللوجستية، وتوقفت تعويضات الملاك المحيطين به. وتعطّل تنفيذ شبكات الصرف الصحي الجديدة والمنطقة الصناعية بسبب غياب لجنة استملاك فاعلة لتسوية الأراضي، إضافة إلى توقف مشروع بناء المدارس الجديدة نتيجة عدم تعويض أصحاب العقارات المتأثرة بالمشروع.
وأشار عضو بلدية طرابلس، المحامي عبد الله زيادة، لـ”القرار”، إلى أنه “في السابق كان يرأس لجنة الاستملاك الابتدائية القاضي المتقاعد صقر صقر، الذي كان يعقد جلسات اللجنة في البترون لأسباب خاصة به، وهو أمر مخالف لما جرت عليه العادة منذ تأسيس اللجنة، ولن يتمّ تجديد تعيينه”.
وأضاف أنّ “القاضي ناظم الخوري والرئيسة الأولى لمحاكم الاستئناف في الشمال، القاضية نضال شمس الدين، أبلغاه عن التنسيق الجاري مع وزير العدل من أجل أن تعود اللجنة قريبًا إلى الانعقاد في قصر العدل في طرابلس”.
يتوجب اليوم إعادة تفعيل لجنة الاستملاك لاستكمال تجهيز الأراضي اللازمة لمشاريع البنى التحتية في المدينة، إذ لم تعد الأسباب التي عطّلتها قائمة. ويبقى التحدي الأكبر أمام طرابلس هو تجاوز العراقيل الإدارية والسياسية التي تحول دون ممارسة اللجنة عملها كما يجب، واستعادة دورها في حماية موارد المدينة وتنميتها.
