شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

ترامب يعود إلى المسرح: رئيس للشرق الأوسط لا للولايات المتحدة فقط

خالد خشفة
محلل وباحث سياسي

عاد دونالد ترامب إلى الواجهة، لا كرئيس أميركي فحسب، بل كزعيمٍ يتصرّف وكأنه رئيس فعلي للشرق الأوسط. فمن لقائه الأخير مع الرئيس الصيني شي جينبينغ في بوسان، إلى تحركات مبعوثيه في المنطقة، بات واضحًا أن واشنطن قرّرت استعادة زمام المبادرة من الجميع، الخصوم والحلفاء معًا.

في لقاء بوسان، لم يكن الهدف فقط خفض التوتر التجاري مع الصين، بل رسم حدود النفوذ السياسي في الشرق الأوسط. تحدّث ترامب بلغة الصفقة الكبرى: يريد إنهاء الحروب الطويلة، لكنه لا يريد أن تخسر الولايات المتحدة موقعها القيادي. لذلك سعى إلى تفاهم غير معلن مع بكين، يقضي بوقف دعمها الضمني لإيران مقابل تسهيلات اقتصادية في الأسواق الأميركية والآسيوية.

بهذا المعنى، تحوّل اللقاء إلى نقطة ارتكاز جيوسياسية: الصين تُفرمل دعمها لمحور طهران، وواشنطن تُعيد تموضعها كمرجعية إقليمية لا ينافسها أحد.

ترامب ولجم نتنياهو: ضبط الحليف قبل الخصم

في المقلب الإسرائيلي، بدا أن ترامب لا يكتفي بالضغط على خصومه، بل بدأ يضبط حلفاءه أيضًا. فنتنياهو، الذي اعتاد التصرف كصاحب قرار مستقل، تلقّى إشارات واضحة من البيت الأبيض الجديد:

“سقفك هو المصلحة الأميركية، لا أكثر”.

 

فكل عملية إسرائيلية في الجنوب اللبناني، وكل تصعيد في غزة أو سوريا، بات يُراجع في واشنطن قبل أن يُنفَّذ.
ولذلك، حين تصاعدت العمليات الإسرائيلية في الجنوب وبلغت ذروتها، جاءت زيارة مورغان أورتاغس لتذكّر بأن الولايات المتحدة هي من يحدّد حدود النار وحدود التهدئة.

 

ترامب يمسك الخيوط من الطرفين

يمنح إسرائيل الدعم العسكري والسياسي، لكنه في الوقت نفسه يمنعها من تجاوز الخطوط التي قد تُشعل المنطقة.
إنه الرئيس الذي يعاقب إيران ويؤدّب نتنياهو في آنٍ واحد، في توازنٍ دقيق بين العصا والجزرة.

 

لبنان: الساحة المفتوحة على صراع الإرادات

وفي خضمّ هذا المشهد، يبدو لبنان أكثر هشاشة من أي وقتٍ مضى. فـ”حزب الله” يراقب المعادلة الجديدة، ويدرك أن واشنطن لم تعد تكتفي بالعقوبات المالية، بل تحوّل الضغط إلى مشروعٍ سياسي واقتصادي متكامل.

فالمبعوثون الأميركيون يلوّحون بمشاريع “المنطقة الاقتصادية في الجنوب” كمكافأة لمن يسلّم سلاحه، بينما تواصل إسرائيل غاراتها بدعمٍ ضمني من واشنطن.
إنها السياسة الأميركية الجديدة: اضرب بيدٍ، ومدّ باليد الأخرى.

لكن، رغم وضوح الرسائل، لا يبدو الحزب في وارد التراجع. فهو يرى في سلاحه ضمانةً لوجوده ودوره في الداخل اللبناني، أما الدولة اللبنانية فتبقى رهينة التوازنات، والطوائف تتلقى التعليمات من الخارج أكثر مما تصنع قراراتها في الداخل.

 

واشنطن تعيد الإمساك بالخيوط الإقليمية

اليوم، بات الشرق الأوسط يدور في فلك ترامب أكثر من أي وقتٍ مضى:
لا حرب تُخاض دون إذنه، ولا تسوية تُطبخ دون موافقته.
حتى بكين، التي كانت تميل إلى الحذر، بدت مستعدة للتنسيق معه في ملفات إيران والطاقة.

في المقابل، تتراجع أوروبا إلى مقاعد المتفرجين، وتتحرك موسكو ضمن هوامش محدودة، بينما تحاول طهران إنقاذ ما تبقّى من نفوذها عبر “حزب الله” وحلفائها الإقليميين.

 

“الوصي الأعلى على الاستقرار الإقليمي”

يتصرّف ترامب بثقة من يعتبر نفسه “الوصي الأعلى على الاستقرار الإقليمي”. يمنح الحماية، ويحدّد العدو، ويرسم الخطوط الحمراء.
ولعلّ أكثر ما يميّز عودته أنه لا يخوض حروبًا طويلة، بل يوزّع الأدوار والصفقات كمديرٍ عام لمنطقةٍ شاسعة تُدار من المكتب البيضاوي.

 

قواعد اللعبة الجديدة

قد يختلف كثيرون مع أسلوب ترامب، لكنه بلا شك أعاد وضع الشرق الأوسط تحت السيطرة الأميركية المباشرة.
إنه الرئيس الذي أعاد رسم قواعد اللعبة:

▪︎ الصين شريك لا خصم.
▪︎ إيران تحت الاختبار.
▪︎ إسرائيل تحت السقف.
▪︎ ولبنان على طاولة الانتظار.

وفي ظلّ هذه المعادلة، لن يكون “حزب الله” قادرًا على تجاهل الرياح الجديدة، لأن من يمسك بقرار الحرب والسلم في المنطقة لم يعد في الضاحية أو طهران… بل في البيت الأبيض.

شاركها.