د.مظهر الحموي
رئيس لجنة الدعوة والمساجد وحماية التراث في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى
ما من أحد يشكّ في أن الصحوة الإسلامية، التي غدت في العقد الأخير من القرن العشرين، هي أحد أبرز مميّزات وسمات تاريخنا المعاصر، ليس في بلادنا فحسب، وإنما في سائر أقطار المعمورة.
ومن يتأمّل مظاهر هذه الصحوة وواقعها ومعالمها، فإنه سيغتبط لهذه العودة الرشيدة إلى دين الله أفواجًا.
ولعلّ من أهمّ العوامل الإيجابية المؤثرة في بروز الصحوة الإسلامية تهافت الإيديولوجيات والأفكار المستوردة والغريبة عن واقع أمتنا وتراثها وشخصيتها وأعرافها، ممّا أسهم سريعًا في خمود طفرة العلمانية، واختفاء الماركسية، وانزواء سائر المنظومات الاشتراكية والقومية، وانقراض العبثية والوجودية، وصرعات “الغربنة” والانحلال والتفسخ.
وليس من باب التجنّي القول إن سقوط بعض الأنظمة التي كانت تعادي الفكر الإسلامي ودعاته، كان له الأثر الإيجابي والسريع والفعّال في انفجار الوعي الإسلامي لدى هذه الأمة، بل وجرأتها في توجيه أصابع الاتهام، ساخرةً من كل المنظّرين والعقائديين والحزبيين والعلمانيين الذين أسهموا – بعلمٍ منهم أو بجهل – في تكبيد الأمة الهزيمة تلو الأخرى، وفي إثارة التناحر والشقاق، والانصراف عن القضايا الكبرى التي تلهج بها شعوبنا على المستويات كافة.
أجل، لقد أثبتت وقائع النصف الثاني من القرن الماضي أن كلّ من أسهم في إعلان مشاعر العداء نحو الفكر الإسلامي ودعاته، كان بكل تأكيد مطيةً في يد أعداء الأمة، وبخاصة الصهيونية العالمية.
ولعلّ بعضًا من أجواء الحرية التي اضطُرّت بعض أنظمتنا إلى اعتمادها – والتي نلاحظ أنّها تتراجع هذه الأيام – كان لها الدور الرئيس في تنامي الصحوة الإسلامية: حركةً ودعوةً ونداءً وحوارًا.
وصار للفكر الإسلامي ركائزه ومبشّروه وحماته، فازداد الوعي تأصّلًا، وتنامت المشاعر الدينية لدى نفوس أبناء هذه الأمة.
وكنا نرى مظاهر هذه الصحوة على جميع الأصعدة والمستويات، يتصدرها عليّة القوم ورواد العلم والثقافة، الذين يقفون في وجه كل معتدٍ على الفكر الإسلامي الشامخ المستنير.
ولم يعد الشاب المؤمن يخشى أيّ اتهام له بالرجعية، كما كان يُلصق به في أواسط القرن الماضي وأواخره، فيضطر إلى التراجع عن عقيدته – ولو بالمناورة – حتى لا يُضيّق الخناق عليه أو تُسدّ في وجهه الأبواب والمناصب والوظائف.
لقد سيطر الفكر الإسلامي الرشيد على الساحة، وأثبت أنّه وحده القادر على التصدي للمشكلات التي تعترض الأمة، وأنّ المسلمين هم وحدهم المؤهلون لتحرير القدس الشريف والأقصى المبارك، بعد أن عجزت سائر الأفكار المائعة والمشبوهة عن توحيد الأمة في مواجهتها ضدّ العدو التاريخي والديني والحضاري.
إنّ هذه الصحوة التي لمحنا وجهها، وقد بدا ساطعًا في كل حدثٍ وانتفاضة، وتعزّز دورها وتأثيرها بالزحف المبارك لشبابنا نحو المساجد، والتزام معظم بناتنا ونسائنا بالحجاب شعارًا للإسلام، طلبًا لمرضاة الله وإغاظةً لأعدائه.
إنّ هذه الصحوة التي تغلغلت في الجامعات، واستضافتها أدمغة المفكرين والمثقفين، واحتضنتها القلوب الظمأى إلى مناهل هذا الدين العظيم، تستدعي منا اليوم، ومن سائر العاملين في الحقل الإسلامي، وقفة تأملٍ وتبصّرٍ لإجراء دراسةٍ متأنّية لمواقع أقدام هذه الصحوة، ومدى ثبات خطواتها، وسلامة منهجها، وردود الفعل حول مظاهرها، توخيًا لاستشفاف مواطن الزلل أو التقصير أو حتى الانحراف، حرصًا منا جميعًا على حماية هذه الصحوة والذود عنها، ووقايتها من أيّ عارضٍ قد يصيبها، والإسراع في معالجته قبل فوات الأوان، وخاصةً في ظلّ هذه الهجمة الشرسة التي يتعرض لها الإسلام والمسلمون.
