
خالد خشفة
محلّل وباحث سياسي
لم يعد النقاش حول سلاح “حزب الله” مسألةً لبنانية بحتة، بل تحوّل إلى عنوان دائم لوصاية مزدوجة:
▪︎ وصاية إيرانية تتحكّم بقرار السلاح،
▪︎ ووصاية إسرائيلية تمسك بقرار الحدود.
وفي الحالتين، يغيب القرار اللبناني، وتُفرغ السيادة من مضمونها.
فكيف يمكن الحديث عن دولةٍ حرّة، إذا كان قرار الحرب والسلم يُتخذ في طهران، وحركة المزارعين في القرى الحدودية تحتاج إذنًا من الجيش الإسرائيلي؟
وأيّ سيادة تُرفع شعاراتها في الخطب، بينما الميدان مقسوم بين نفوذ “حزب الله” ونفوذ العدو الإسرائيلي؟
أليس هذا هو الوجه الجديد للتطبيع القسري، حيث يُفرض الصمت باسم “الواقعية”؟
“حزب الله” لا يملك قرار سحب سلاحه، لأن هذا القرار لم يعد وطنيًا، بل إقليميًا، يرتبط مباشرةً باستراتيجية إيران في المنطقة.
أمّا إسرائيل، فتمارس ضغطًا ميدانيًا متصاعدًا على الحدود لتفرض شروطها في المفاوضات الجارية تحت عنوان “التهدئة”.
وهكذا يجد لبنان نفسه رهينةً بين نارين:
▪︎ سلاح يرفض الخضوع للدولة،
▪︎ وعدوّ يرفض الاعتراف بحدودها.
الواقعية السياسية التي تحدّث عنها رئيس الجمهورية، أي “ضرورة التفاوض مع إسرائيل” بهدف حلّ المشكلات العالقة بين الطرفين،
وتأكيد الرئيس نواف سلام على أنّ “لا استقرار في لبنان دون انسحاب إسرائيل الكامل ووقف أعمالها العدوانية، ودون شعور المواطنين بالأمان”،
كلّها مواقف تعكس إدراكًا لهذا المأزق.
فحلّ مسألة السلاح لا يمكن أن يتمّ دون مقاربة إقليمية. لكنّ الخطر يكمن في أن تتحوّل هذه الواقعية إلى تبرير دائم لعجز الدولة.
وفي المقابل، يواصل “حزب الله” حصر دور “الميكانيزم” الدولي بجنوب الليطاني، رافضًا توسيعها لتشمل لبنان كله، كما تطالب واشنطن والدول الأوروبية والسعودية.
أمّا زيارة مدير المخابرات المصرية إلى بيروت في الأيام المقبلة، فهي إشارة واضحة إلى رغبةٍ إقليمية في حصر السلاح بيد الدولة، كي لا تبقى إسرائيل تمتلك الذريعة لضرب لبنان متى شاءت.
ورغم كلّ الحجج التي يقدّمها الحزب عن “العدوان المحتمل”، أثبتت التجربة أنّ ما يُسمّى “توازن الرعب” لم يمنع إسرائيل من شنّ حروبها أو اغتيالاتها، بل جعل لبنان يعيش في حالةٍ دائمة من التهديد، بلا قرارٍ ولا أمان.
إنّ قيام الدولة لا يحتاج شعارات جديدة، بل ثلاثة شروط واضحة:
▪︎ وقف العدوان الإسرائيلي المستمر،
▪︎ انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة،
▪︎ بسط سلطة الدولة وسحب السلاح غير الشرعي.
أمّا اختزال الأزمة في معادلة “السلاح يحمي لبنان”، فقد أصبحت ذريعةً لتجميد قيام الدولة، تمامًا كما تستخدم إسرائيل شعار “الأمن القومي” لتبرير الاعتداء على سيادة لبنان.
فالطرفان يلتقيان على حساب الدولة نفسها:
أحدهما يمنعها من امتلاك قرارها، والآخر يمنعها من امتلاك أرضها.
المعطيات تشير إلى أنّ إسرائيل تتحضّر لعملٍ عسكري جديد، فيما يُمنح لبنان مهلةً حتى نهاية عام 2025 أو مطلع 2026 لتقديم رؤيةٍ واضحة حول مستقبل سلاح “حزب الله”.
لكن ما قيمة أيّ مهلة إذا كانت إرادة الدولة مصادرة؟
فالتفاوض مع إسرائيل يجري تحت النار، والتفاوض حول السلاح يجري تحت الوصاية.
لقد وافق لبنان عمليًا على معظم الشروط الدولية، لكن إسرائيل تريد أكثر:
منطقةً عازلةً وسلامًا مكتوبًا.
وبين هذا وذاك، يصرّ “حزب الله” على الاحتفاظ بسلاحه كأداة نفوذ داخلية وإقليمية.
في المحصّلة، يعيش لبنان اليوم بين وصايتين متقابلتين:
وصاية إسرائيلية تتحكّم بالحدود، ووصاية إيرانية تتحكّم بالسلاح.
وبينهما تتآكل الدولة، ويتحوّل الشعب إلى رهينةٍ في وطنٍ بلا قرار.
السيادة ليست شعارًا يُرفع، بل فعلُ إرادةٍ يُنتزع.
ولن تُنتزع هذه الإرادة ما دام القرار الوطني مرهونًا للخارج، والمقاومة محصورةً بيد حزبٍ واحدٍ يضع نفسه فوق الدولة.
