نبيل أحمد شحادة
في خضّم التحوّلات الإقليمية والدولية التي يعيشها الشرق الأوسط، تبدو علاقةُ لبنان ودول الخليج متوتّرة، وذات حساسية عالية ودلالات كثيرة. العلاقة في أصلها عميقة الجذور، وفيها تشابك في المصالح والرؤى، وتتجاوز حدود الاقتصاد والسياسة لتحط في إطار الهوية والإنتماء العربي. لكن في السنوات الأخيرة انتقلت العلاقة إلى مرحلة مكشوفة من التباعد والفتور، وبدأ طرحُ الأسئلة حول مصيرها في ظل متغيّرات في الخليج رتّبت الاولويات السياسية والاقتصادية بشكل مختلف، وتركت لبنان يتخبط في أزمات كانت في أغلبها من صنع أبنائه وسياسييه.
لم يكن أبداً الدور الخليجي في لبنان هامشياً، فمنذ ستينيات القرن الماضي، لعبت الدول العربية الخليجية وعلى راسها المملكة العربية السعودية والكويت وقطر ودولة الإمارات أدواراً رئيسية ومحورية في دعم لبنان وإنقاذه في أوقات كبواته الاقتصادية والسياسية والأمنية، وكانت دائماً في مقدّم الداعمين للإعمارِ وتمويل المشاريع الكبرى والمُكلفة منذ ستينيات القرن الماضي. ولم يقتصر الأمر على الناحية المادية، بل مكّنت لبنان وساندته في مسيرته لاستعادة موقعه العربي والدولي بعد اتفاق الطائف في عام 1989، الذي أنهى الحرب الأهلية وفتح الطريق أمام اعادة البناء وإزالة كل آثار الحرب والدمار.
الدول العربية التي ضخّت عشرات مليارات الدولارات وقدمت الودائع المالية، لم تنظر إلى لبنان يوماً على أنه عبءٌ ثقيل، بل كان الأخ الأصغر الذي يحتاجُ دائماً بحكم ظروفه ومعاناته وتعقيداته إلى العناية به ورعاية مصالحه.
لكن في السنوات الأخيرة، هذا المشهد تبدّل، فالدول الخليجية أعادت النظر في اسلوبِها، وقلّصت انخراطها المباشر في دعمِ لبنان، وباتت تنظر إليه ككيان هشّ، فاقد الارادة ومصدر خَطر في نفس الوقت، وهي اعتبرت أنه في ظلِّ تزايد نفوذ حزب الله وسيطرته على القرار اللبناني بشقيه السياسي والعسكري، تحوّل هذا البلد الصغير من دولة شقيقة إلى ساحة نفوذ للمشروع الإقليمي الإيراني، ومنصة ثابتة تنطلق منها الاساءات والانتقادات اللاذعة وشعارات “الموت لآل سعود” من حزب الله ومناصريه، إضافة إلى الإهانات والشتائم المرفوضة ومن شخصيات رسمية كما فعل كلٌّ من الوزيرين السابقين جورج قرداحي وشربل وهبة. فاقم الوضع أيضا حظر دول الخليج رعاياها من المجيء إلى لبنان، وضبط كميات هائلة من الممنوعات وصلت على دفعات الى معابر هذه الدول، وكان مصدرها لبنان.
المفارقة الكبيرة أن حزب الله في نشاطاته الشاذة هذه، لم يعط بالاً للمواطنين اللبنانيين المنتشرين في دول الخليج العربية، ولا لمصالحهم ومساهماتهم في مساندة ودعم الاقتصاد اللبناني؛ فهناك خمسمئة ألفاً منهم يعملون في مجالات التعليم والطب والإعلام والهندسة والمصارف والتجارة بأنواعها، ويحوّلون إلى لبنان نحو خمسة مليارات دولار سنوياً. واصلت هذه الدول ممارسة قدرٍ كبير من ضبطِ النفس، وتغاضت عن كل الاساءات بهدف الحفاظ على علاقاتها التاريخية مع لبنان، وتعاملت مع الوافدين اللبنانيين من مختلف المناطق والطوائف بروح من الاحترام المهني والإنساني، معتبرة أنهم يمثّلون الوجه الحقيقي للبنان الراقي والمنتج والمثقّف والمتنوّع.

مع انتخاب الرئيس جوزاف عون، توقّع كثيرون أن تكون الخطوة بداية انفراج سياسي ومقدّمة لاستعادة الدولة اللبنانية موقعها الداخلي والخارجي، فاستقبل وليُ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الرئيس عون في قصر اليمامة، وأُجريت له مراسم استقبال رسمية، وجرى كلام عن التحضير لنحو اثنين وعشرين اتفاقاً في مختلف القطاعات الحيوية بعد اشارات اُعتبرت تحوّلاً كبيرا في الداخل اللبناني، وترسم آفاقاً جديدة للتعاون وتقوية العلاقات على أساس تطبيق اتفاق الطائف، وتنفيذ عملية الإصلاح الداخلي اداريا وسياسيا وماليا في لبنان، وتحويل تعهداته السيادية الواردة في خطاب القسم والبيان الوزاري إلى واقع وحقيقة.
هنا يجب التذكير، بأن دعمَ دول الخليج العربية لم يعد يعتمد على العفوية والعاطفة في العلاقات مع لبنان وغيره، بل أصبح منظّماً ومشروطاً ويقوم على المنافع المتبادلة، وهذا أكده وزير المالية السعودي محمد الجدعان خلال مؤتمر دافوس الاقتصادي في سويسرا في 18 كانون الثاني/ يناير من هذه السنة، إذ قال: “إننا اعتدنا تقديم منح ومساعدات مباشرة من دون شروط، ونحن نغير ذلك”.

حضر الأمل الكبير بإعادة التموضع اللبناني ضمن المنظومة العربية سياسياً واقتصادياً، والسعي لاستعادة الثقة العربية والدولية ، وما رافقه من اشارات أولية أوحت بتراجع هيمنة حزب الله، وبروز نوايا لبنانية حاسمة للخروج من نفق الفوضى وحالة اللا دولة، ولكن مع مرور بضعة شهور، بدأ هذا الأمل يتهاوى، وتبيّن – حتى الآن- أن التوقعات كانت في غير مكانها، والقلق تصاعد من جديد، وغابت الحماسة، لتعود إلى المقدمة الشكوكُ في قدرةِ لبنان بطبقته السياسية الحالية في تعامله مع الملفات الشائكة، ووصوله إلى النتائج المرجوة.
الأمور في غالبيتها ضبابية، ولكن معالمها ومعانيها باتت واضحة؛ وهي إذا لم يُنزع سلاح حزب الله، وهو أمر جوهري ويشكّل تحدياً أمنيا وسيادياً، وإذا لم تُطبّق خطط الإصلاح البنيوية لتحييد منظومة المحاصصة والفساد، فلا مساعدات ولا استثمارات ولا حتى رفع لحظر السفر وخاصة على السعوديين الذين كانوا يشكلون دائماً الشريحة الأكبر من سياح لبنان. علماً أن السياح الخليجيين كانوا ينفقون في لبنان مبالغ ضخمة ارتفعت في عام 2010 إلى نحو 3.25 مليار دولار أميركي.
هذا الوضع يعني بطبيعة الحال بقاء القرار اللبناني رهينةَ توازنات داخلية معقدة، ومخاوف غير مشروعة، وتهديدات أمنية كبيرة، واستمرار للتدهور الاقتصادي، والحرمان “العقابي” من الودائع والمساعدات والاستثمارات الخليجية، كما إن الأزمات المعيشية والخدماتية ستتعاظم. والأخطر، أن عزلة البلاد إقليمياً ودولياً ستشتدّ.
ما زالت الدولة اللبنانية تعاني من ضعف وهزالة في تنفيذ مخرجات الوعود والالتزامات، والآمال التي كانت معقودة على العهد بدأت بالتساقط لأسباب كثيرة، وتحسّنُ هذه العلاقات لن يتحقق إلا بتحويل الخطاب السياسي اللبناني “الرنّان” إلى خطوات جدّية شجاعة وعملية وملموسة، تبدأ بتحرير قرار الدولة وبشكل كامل من هيمنة قوى الأمر الواقع، وتنتهي بتنفيذ إصلاحات تضمن الشفافية وتكافح الفساد. هذه هي بطاقة العبور الوحيدة لاستعادة ثقة الخليج وكل العرب والمجتمع الدولي، وغير ذلك سيبقى لبنان كورقة خريف في مهبّ الرياح.
