شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

وسام رضوان

في عالمٍ تمزّقه المصالح وتضيع فيه البوصلة الأخلاقية، تبقى كلمات الأديب الفرنسي فيكتور هوغو عام 1849م مدوّيةً في وجه الأنانية السياسية.

فقد قال هوغو أمام الجمعية الوطنية في باريس:

“إنّ السياسة ليست ميدانًا للمصالح الطارئة، بل رسالة نبيلة تقوم على المبادئ والقيم، وتهدف إلى إنماء المجتمع ورفعة الوطن”.

كلمة تختصر ما نحتاج إليه اليوم في لبنان والعالم العربي:
أن تعود السياسة إلى معناها النبيل، لا أن تبقى أداةً للمناورات والمحاصصات وتحقيق المكاسب الفئوية. وما قاله هوغو ليس بعيدًا عن توجّه الأنبياء الإصلاحي، بل يلتقي معه في جوهره الإنساني.
ففي سياسة الرسل، كان الإصلاح هو الغاية، والعدل هو الطريق، والتسامح هو الرسالة.

قال الله  على لسان رسوله شعيب عليه السلام:

> ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: 88].

فالإصلاح هو جوهر الحكم في فكر الأنبياء، لا التسلّط ولا الهيمنة.
وجاء الإسلام ليؤسس مجتمعًا يقوم على الخيرية والحرية والمساواة، فقال تعالى:

> ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110].

والخيرية هنا ليست تفضّلًا دينيًا فحسب، بل مسؤولية إنسانية في بناء مجتمعٍ عادلٍ وخيّر.

 

الحرية والمساواة… ركيزتان لا يُلغيهما الخلاف

في دستور الإسلام الإلهي، لا وجود للتمييز الطبقي أو الطائفي أو العرقي، بل للمساواة في القيمة والكرامة بقدر ما يملك الإنسان من تقوى وصلاح.

قال تعالى:

> ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
(سورة الحجرات: الآية 13).

وجاءت خطبة النبي محمد ﷺ لتؤكّد هذا المبدأ العظيم بقوله:

“لا فضل لعربيٍّ على أعجميٍّ، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى”.

 

أما الحرية، فكانت جوهر الرسالة، إذ قال الله تعالى:

﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256].

وهكذا، صارت الحرية والمساواة ركيزتين في المجتمع الذي أراده الله،
مجتمعًا يُدار بالقيم الإنسانية لا بالعصبية القومية،
وبالعدل لا بالإكراه.

وفي المدينة المنوّرة، كُتبت وثيقة المدينة لتكون أول دستورٍ للمواطنة والعيش المشترك، جمعت المسلمين واليهود في دولةٍ واحدةٍ على أساس العدالة والوفاء بالعهد.

الإصلاح أولًا… والسلطة وسيلة لا غاية

السياسةُ غايتها الإصلاح، لا كما ورد في كتاب الأمير لميكيافيللي الذي قال: «الغاية تبرّر الوسيلة»، فكان منطلقًا لمعظم سياسات الظلم وقهر الشعوب في هذا النظام العالمي الأعور.

أمّا في سياسة الأنبياء، فالسلطة ليست غاية بل وسيلةٌ للإصلاح.
يُقاس الحاكم بقدر ما أصلح، لا بقدر ما تسلّط وتجَبّر.

قال النبي ﷺ:

“ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً، يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيته، إلا حرّم الله عليه الجنة”.

فالسياسة الصادقة تبدأ من إنسانية الحاكم، ومن خدمة الناس قبل خدمة المصالح الذاتية.

من بيروت مدينة العلم إلى البعد الإنساني

اليوم، ونحن في لبنان أمام واقعٍ مثقلٍ بالانقسام والفساد،
لا مفرّ من عودة البعد الإصلاحي والأمانة إلى السياسة.
نحتاج إلى رجالٍ يرون في الحكم أمانةً لا مغنمًا،
وفي المواطن شريكًا لا تابعًا.

السياسة التي تقوم على الخير والمساواة والعدل
قادرةٌ على أن تبعث الأمل من جديد،
تمامًا كما فعلت رسالات الأنبياء حين أنقذت الأمم من الضياع.

من محمد ﷺ إلى فيكتور هوغو… مسار واحد نحو القيم

من المدينة المنوّرة في فجر الإسلام، إلى باريس القرن التاسع عشر،
تلتقي المبادئ السياسية النبيلة في معنى واحد:

لا إصلاح بلا عدل،
ولا عدل بلا حرية،
ولا حرية بلا قيم.

فلنجعل من هذه القيم نبراسًا لسياسةٍ جديدةٍ في لبنان والعالم العربي،
سياسةٍ تُبنى على الخيرية والحرية والمساواة، وتنحاز دومًا إلى حرية الإنسان وإصلاح المجتمع، لا إلى الكرسي والمناصب.

شاركها.