د. خالد عيتاني
الثورة: وعي لا لحظة
الثورة ليست حدثًا عابرًا في الزمن، بل هي عملية وعيٍ مستمرّ تُعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، وبين الفرد ومسؤوليته تجاه المجتمع.
كثيرون في لبنان ظنّوا أن الثورة هي لحظة انفجارٍ جماعي تُسقط الطبقة الحاكمة، لكنها في جوهرها أعمق من ذلك بكثير.
إنها نقدٌ جذري لمنظومة القيم والسلوك والعلاقات التي سمحت للفساد أن يتحوّل إلى ثقافة، وللطائفية أن تصير هوية، وللعجز أن يُقدَّم على أنه قدر.
الثورة تبدأ من الضمير
الثورة لا تبدأ في الشارع، بل في الضمير.
حين يثور العقل على الجمود، وتتمرد الأخلاق على الازدواجية، يبدأ التحوّل الحقيقي.
فما جدوى تغيير الوجوه إن بقيت الذهنيات على حالها؟
وما قيمة الشعارات إن لم تُترجم إلى ممارسة مسؤولة في الحياة اليومية؟
بين الفشل والاكتمال
لقد أثبتت التجربة أن أخطر ما يواجه الحركات الإصلاحية هو الاستعجال في قطف الثمار قبل نضوجها، وأن الثورة الفكرية أبطأ، لكنها أعمق أثرًا.
فما لم يتحوّل الوعي الجمعي إلى نظام تفكيرٍ جديد، فإن كل تغيير سياسي سيعيد إنتاج القديم بأسماء جديدة.
الثورة اللبنانية لم تفشل، لكنها لم تكتمل بعد.
وما ينقصها ليس الحشود ولا الغضب، بل الرؤية والمنهج — أي الانتقال من الاحتجاج إلى البناء، ومن التنديد إلى التأسيس.
توصيات واقعية للمرحلة القادمة في لبنان
في السياسة:
لبنان بحاجة إلى انتقالٍ من ثقافة الزعيم إلى ثقافة المواطنة والمساءلة.
الإصلاح لا يبدأ بتبديل الأشخاص، بل بإعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة لا الولاء، وبإقرار قانون انتخابٍ عصري يكرّس التمثيل الوطني لا الطائفي.
كما يجب أن ينتقل الحوار الوطني من المنابر الإعلامية إلى طاولة حقيقية للإصلاح الدستوري والإداري، تضع حدًّا للفراغ المستمرّ والانقسام الدائم.
في الاقتصاد:
الأزمة الاقتصادية لم تعد مجرّد انهيارٍ نقدي، بل تحوّل بنيوي في نمط العيش والإنتاج.
المطلوب اليوم إطلاق خطة وطنية لإحياء القطاعات المنتجة — الزراعة، الصناعة، التكنولوجيا — وربطها بالتعليم المهني والجامعي.
على الحكومة والقطاع الخاص أن يتشاركا في مشاريع تشغيلية واقعية للشباب، بدل الاكتفاء بالمساعدات الدولية التي لا تبني اقتصادًا بل تُبقيه رهينة.
في التربية والتعليم:
لا يمكن قيام دولة من دون ثورة تربوية.
المطلوب إعادة النظر في المناهج لتغرس التفكير النقدي والمواطنة الفاعلة، وإدماج الذكاء الاصطناعي والتحوّل الرقمي في النظام التربوي لمواكبة العصر.
كما يجب صون المعلم اللبناني المهاجر قسرًا بإصلاح الأجور وتقدير الكفاءة، لأن من يفقد المعلّم، يفقد المستقبل.
في الثقافة والإعلام:
بات الإعلام بحاجة إلى تحريرٍ من الاستقطاب السياسي، وإلى دورٍ وطني في توجيه الرأي العام نحو المعرفة لا التهويل.
فالثقافة ليست ترفًا، بل سلاح الوعي.
والبلد الذي لا يحمي سرده الوطني، تكتبه غيره.
في المجتمع المدني:
على الحركات المدنية أن تتحرّر من خطاب التعميم والشعبوية، وأن تتحوّل إلى قوى اقتراحٍ وتنفيذ.
لبنان بحاجة إلى مؤسسات رقابية مستقلة، ومبادرات مجتمعية تجمع ولا تفرّق،
وإلى بناء شبكات تعاون بين الداخل والاغتراب لدعم التعليم، والاقتصاد المحلي، والشفافية العامة.
الثورة تبدأ من الداخل
إنّ الثورة ليست نهاية الطريق، بل بدايته.
وحين يفهم اللبناني أن الحرية مسؤولية، وأن الدولة مرآةٌ لما نكون لا لما نرفض فقط، عندها يبدأ الاستقلال الحقيقي… لا من الخارج، بل من الداخل.
فالثورات لا تُقاس بشعاراتها، بل بقدرتها على بناء وعيٍ جديد يترجم الكرامة إلى مؤسسات، والغضب إلى مشروعٍ وطنيٍّ جامع.
