شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

طارق الحجيري

منذ أكثر من ثلاثة عقود، يتربّع الرئيس نبيه بري على سدّة رئاسة مجلس النواب. لم يكتف برئاسته، بل تجاوز موقعه الدستوري إلى موقع “الوصيّ على النظام”. الرجل الذي يُفترض أن يكون حَكَمًا بين الكتل والسلطات، تحوّل إلى مرجعٍ يقرّر متى تُعقد الجلسات، ومتى تتوقّف الدولة عن التنفّس.

 

تجاوز للدستور

في الدستور، رئيس المجلس مجرّد مديرٍ للجلسات وحارسٍ للنظام الداخلي، لا يملك سوى صوته المرجّح عند التعادل. لكن بري حوّل النصّ إلى وجهة نظر، واستبدل القواعد القانونية بالأعراف التي تخدم مصالحه. فلم يعد النصّ مرجعًا، بل ديكورًا يُخفي تحكّم الفرد، ويجمّد الاستحقاقات متى شاء، وكأن البرلمان فرعٌ من “حركة أمل” لا بيت الأمة اللبنانية.

من انتخاب رئيس الجمهورية إلى فتح باب التشريع، مارس سلطة التعطيل باسم “التهدئة” و ”بدعة الحوار”، لكنه عطّل الحياة السياسية نفسها. رفض الدعوة إلى جلسات انتخاب متتالية كما تفرض المواد 73 و74 و75، واحتكر تفسير النصوص لحماية موقعه، بينما يظهر بصفته “المنقذ” في كل أزمة، رغم أنه أحد صنّاع الانسداد.

شطب حقّ المغتربين

ورغم شعاراته عن “التمثيل الشامل”، كان بري من أوائل من عملوا على تطيير انتخاب المغتربين. فصوت اللبناني في الخارج، الذي قد يكسر حلقة الولاءات الضيّقة، حُرم منه بحجج “اللوجستيات” و”ضيق الوقت”، لحماية نفوذ الزعامات القديمة. تعطيل التصويت لم يكن إجراءً تقنيًا، بل قرارًا سياسيًا يكرّس النظام نفسه.

مجلس حي لا زعيم دائم

بري يختبئ خلف شعار “الاستقرار”، لكنه يحوّل المجلس إلى مسرح صامت يُدار بإشارته. القرارات المصيرية تُعلّق بانتظار “مزاج الرئيس”، والنقاش الوطني يكاد يكون معدومًا. ما يفعله ليس تجاوزًا فرديًا، بل نمط حكم مستقر يفرض وصاية داخلية على الديمقراطية، مستغلاً “الشرعية الانتخابية” لنسف مبدأ المداورة والمساءلة.

لبنان لا يحتاج إلى رئيس مجلس دائم، بل إلى مجلس حيّ يعبّر عن إرادة الناس لا عن إرادة زعيم واحد. حين يصبح الدستور وجهة نظر، والمجلس رهينة شخص، تسقط الجمهورية في يد الوصاية الداخلية.
ما يفعله بري ليس براعة سياسية ولا حفاظًا على السلم الأهلي، بل انقلاب صامت على الدستور يهدد الدولة نفسها. والصمت عنه ليس حيادًا، بل تواطؤ مع التعطيل، وتواطؤ مع موت الديمقراطية.

شاركها.