شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

رامي سعدالله فنج

لا يحتاج اللبناني إلى كثير من الخيال ليفهم ما الذي يعنيه استبعاد المغتربين من انتخابات 2026. فالدولة التي ضاقت بأبنائها في الداخل، باتت اليوم تضيق بأصواتهم في الخارج أيضًا. وكأنّ لبنان الرسمي لا يريد أن يسمع إلا صداه، ولا يرى إلا صورته في مرآة الزعيم والطائفة.

منذ عام 2018، أُقرّ مبدأ مشاركة المغتربين في الاقتراع. كانت الفكرة بسيطة وجميلة: أن يشعر اللبناني المهاجر بأنّ له وطنًا يُصغي إليه، لا وطنًا يطالبه فقط بالتحويلات. لكنّ البيروقراطية اللبنانية، حين تتواطأ مع السياسة، لا تقتل الفكرة دفعة واحدة، بل تُنهكها بالإهمال. وهكذا، عبر تسويفٍ وتشكيكٍ وتمويلٍ ناقص، بات التصويت الخارجي في مهبّ “الظروف اللوجستية”، وهي العبارة السحرية التي تُخفي ما لا يُقال.

من يخشى المغتربين؟

الخوف من المغتربين ليس خوفًا من الأرقام، بل من المزاج. فهؤلاء، وقد عاشوا في دولٍ تحترم القانون وتنتخب من دون زعيم، باتوا يُمثّلون خطرًا على المنظومة التي لا تعيش إلا في ظلّ الولاء.

لقد اكتشفت القوى التقليدية أنّ تصويت الخارج أشبه بـ”استفتاء على طبيعة لبنان الذي نريد”: لبنان المنظومة أم لبنان المواطنة.

الثنائي الشيعي، على وجه التحديد، لا يبدو متضررًا من هذا الحرمان. فهو يعرف أنّ جمهوره في الداخل متماسك ومنضبط، وأنّ الخارج قد يحمل مفاجآت لا تُحبّذها الدوائر العقائدية. المغترب الشيعي في أفريقيا أو كندا أو أوروبا لم يعُد يرى في السياسة ما يراه ابن بلدته في الجنوب أو البقاع. الولاء هناك مفهوم مدني، لا مذهبي. ومن هنا، فإنّ كبح تصويت الخارج يصبّ، موضوعيًا، في مصلحة الثنائي الذي يرتاح إلى حصر العملية الانتخابية داخل جغرافيا الولاء.

في السياسة الدولية، يُقاس نفوذ الدول الضعيفة بمدى حضورها في الخارج، لا في الداخل.

لبنان كان استثناءً إيجابيًا: بلدٌ صغير، لكنّ امتداده البشري والاقتصادي جعله أكبر من حجمه. المغتربون كانوا سفراءه غير الرسميين، ومواردَه غير المنظورة، وصورته الأجمل أمام العالم.

إقصاؤهم من التصويت ليس تفصيلاً انتخابيًا، بل نزعٌ لهويّة لبنان كدولة منفتحة على العالم. فحين تنغلق السياسة على الداخل، يتحوّل البلد إلى جزيرة مذهبية محاصرة، تلتفّ حول زعاماتها كما يلتفّ الماء حول نفسه.

الدولة لا تُقاس بحدودها الجغرافية فقط، بل بقدرتها على تمثيل رعاياها أينما وُجدوا.

حين تستبعدهم، فهي تُعلن، ضمناً، أنّها لا تريد مواطنين، بل رعايا. لا تريد أصواتًا حرة، بل جموعًا منضبطة.

لبنان، بهذا المعنى، يختار طريقًا معاكسًا للتاريخ: بدل أن يوسّع دائرته الوطنية لتشمل أبناءه في الخارج، يضيّقها ليحتمي في طوائفه.

إنها عودة إلى منطق الجماعة لا الدولة، وإلى الولاء لا العقد الاجتماعي.

 

 

والمفارقة أنّ السلطة التي ترفض أصوات المغتربين، لا ترفض أموالهم. فهي تريد “الدولار الاغترابي” لا “الصوت الاغترابي”.

لكنّ التاريخ لا يرحم الدول التي تعامل أبناءها كمصارف تمويل. فالمغترب الذي يُقصى اليوم عن صندوق الاقتراع، قد يغلق غدًا حسابه المصرفي، أو يرفض تمويل مشاريعٍ تُدار بذهنية الإقطاع السياسي نفسه.

ما يبدو كإجراء إداري أو تقني، هو في جوهره خيار سياسي–فكري: هل يريد لبنان أن يكون دولة لكلّ أبنائه، أم مشروع سلطةٍ يخشى مواطنيه؟

استبعاد المغتربين من انتخابات 2026 ليس صدفة، بل نتيجة منطقٍ يرى في المشاركة خطرًا، وفي الشفافية تهديدًا.

أما من يرفض اقتراع المغتربيين، سيجد في هذا الانكفاء ما يريحه من المفاجآت: بلدٌ بلا رقابة دولية، بلا امتداد اغترابي، بلا رأي آخر.

لكنّ ما يريح المنظومة اليوم، قد يخنق لبنان غدًا.

فالوطن الذي يطرد أبناءه من صناديق الاقتراع، يُفقد نفسه شرعية الوجود، لا شرعية الانتخابات فحسب.

شاركها.